إلى وزير العمل الجديد: معركة القصيبي لم تنته بعد !
المرحوم الدكتور غازي القصيبي رجل يصعب نسيانه. ومهما قاومنا الكتابة عنه فإنها تفرض نفسها علينا فرضا، والمروءة تأبى إلا تشييع الكريم بذكر مكارمه.
ولقد أحسنت صنعا صحفنا الوطنية وعلى رأسها صحيفة الجزيرة الغراء حين احتضنت باقات من الثناء العطر أهداها لروح الفقيد عدد من الكتاب والمفكرين وبالأخص أولئك المهتمين بالتاريخ العملي للفقيد ودوره الخلاق - رحمه الله - في خدمة دينه ومليكه ووطنه.
ليس هذا فحسب بل إن الجزيرة قامت مشكورة بنشر كتابها «الاستثناء» حول الوزير الراحل في حياته وأوج صحته في زمن ينسى فيه الناس الأحياء قبل الأموات وهذا غير مستغرب من الصحيفة ورئاسة تحريرها التي عاشت بعقلها الهم العام متحسسة آمال المواطن في سبيل حياة واعدة وكريمة.
د.غازي القصيبي كان أحد القامات الأدبية الخلاقة والتي لم تركن إلى الأدب وصالوناته الوثيرة رغم امتلاكه ناصية الأدب بل أيضا قام بدعم العمل المؤسسي في المملكة وعزز من نماذج الالتزام بالجدية والكفاءة والنزاهة.
ولذا كان لغياب هذا الرجل ورحيله عن الساحة عظيم الأثر في نفوس المواطنين على اختلاف أطيافهم الاجتماعية وتنوع مشاربهم الفكرية.
كان هذا الوزير الوطني، والأديب الأريب، واحدا من رجالات هذه الدولة الأمينة الذين طالما عززوا الإصلاح الإداري والفكري في هذا الوطن مستندين إلى توجيهات ودعم ولاة الأمر في تيسير كل ما فيه خدمة المواطن العزيز.
وإذا كان للمرء من عزاء في هذا الفقيد الكبير فهو في حقيقة أن الأبطال يموتون وأن الموت هو نهاية كل حي. ولعل الشاعر العربي القديم حين قال: (إذا مات منا سيد قام سيد.... قؤول لما قال الكرام فعول) قد أدرك بفطرته السليمة أكثر من غيره هذه الحتمية المتعلقة بحقيقة الموت وضرورة الاستمرار على طريق العمل في سبيل تحقيق الأهداف بما يتجاوز الشخصيات فالنياحة على أي حال ليست من شيم أهل هذه البلاد التي ظلت تستهدف الانتصار على تحديات الواقع والتي لا تتوقف كثيراً لبكاء شهداء المعركة خاصة قبل نهاية المعركة. لاسيما وأن الدول لا تنهض بالأفراد وحدهم بل بالمؤسسات التي تمتلئ بآلاف الجنود المجهولين المخلصين لقضايا الوطن.
رحل أبو سهيل وعمت الوطن من أقصاه إلى أقصاه غمامة الحزن التي لم تنقشع بعد، إلا أنني سوف أنتهز الفرصة في مقالي هذا لتهنئة وزير العمل الجديد معالي الأستاذ عادل فقيه بالثقة الملكية الكريمة وأدعو معاليه ونائبه ووكلاءه وجميع من أحبوا القصيبي وكتبوا في رحيله ليتذكروا أن القصيبي رحمة الله عليه حمل رأيه السعودة بدعم و توجيه من ولاة الأمر -حفظهم الله- فكافح دونها أشد كفاح وقدم المبادرة تلو الأخرى لتفعيلها وتعزيزها في سوق العمل فلم يأخذه في سبيلها لوم لائمين ولا أذى مؤذين.
مات القصيبي ولم يمت الهدف معه فالحلم الجميل باق على حاله و السعودة ستظل واقعا شاخصا ومستقبلا واعدا وهي معركة بحاجة إلى أبطال وطنيين جدد بعد سقوط البطل الشهيد مضرجا بدماء طموح نبيل ورغبة شديدة في أن يصبح الوطن السعودي العزيز مكتفيا ذاتيا بأبنائه وبناته رافعا من مستوى كرامتهم في العطاء وفي العيش الكريم.
يا معالي وزير العمل الجديد، لقد حملك ولي الأمر خادم الحرمين الشريفين -حفظه الله- مسؤولية جسيمة وثقة غالية تجعلنا جميعا نحمل الأمل في استمرار خدمة الوزارة لبرامج السعودة سواء بالحد من الاستقدام غير المنضبط أو بإصلاح سوق العمل للجميع خاصة أولئك الشباب الذي زرع الوطن فيهم أحلامه وينتظر حصادها عطاء واستقرارا وحسن مواطنة.
وهذه المعركة التي ظل الوزير الراحل صامدا في ميدانها حتى آخر لحظة في حياته لا تزال قائمة ونحن على ثقة أنك لن تستسلم أمامها مهما كلف الأمر.
