هل أنت ماركة؟

عفواً عزيزي القارئ، أنا لا أقصد هنا ساعتك السويسرية، ولا سيارتك الألمانية، أو قميصك الأميركي، ولا حتى شنطتِك الفرنسية سيدتي..أنا لا أقصد أياً من هذه الأشياء كلها، فكلها ليست (أنت).. هي ليست أكثر من غطاء يُغّلفك فقط، وهي حتماً لا تعطيك قيمتك الحقيقية التي يدركها من يعرفك جيداً.. أنا أقصدك (أنت)، بذاتك وروحك..لعلي أُعيد السؤال مرةً أخرى: هل (أنت) ماركة مميزة؟

مرةً أخرى، أنا هنا لا أقصد الوظيفة التي تعمل فيها، ولا المال الذي تملكه، فهي كذلك
أشياءٌ لا تجعل منك ماركةً مسجلة. إن كثيراً من الإداريين الكبار ليسوا أكثر من موظفين لم يصنعوا فرقاً ما، وكثيرٌ من الأغنياء ليسوا أكثر من جامعي مال، ليس لهم بصمة حقيقية في مجتمعاتهم، حتى بعض من يحملون حرف الدال قبل أسمائهم – على اختلاف مجالاتهم-، ليسوا أكثر من أشخاصٍ عاديين في مجالهم، ولم يكونوا في يوم ما ماركةً مسجلة.
قد تسألني الآن إذاً كيف أصنع ماركتي؟

هنا يجب أن تسأل نفسك هذا السؤال: ما الذي أملكه ويجعلني مختلفاً عن البقية؟، ما هي مصادر قوتي وتميزي؟
إذا كنت لا تعرف الإجابة عن هذه الأسئلة، فاسأل من حولك، هناك حتماً من يعرفك، ويعرف مصادر قوتك وتميزك، ولا تقل لي أنك لا تمتلك شيئاً منها، هناك حتماً شئٌ مختلف فيك، قد يكون قدراتك اللغوية، أو الجسدية، أو مهاراتك في مجال معين من فنون الحياة.. ابحث داخلك، واجعل من يعرفك يشاركك البحث.

إن من أهم صفات صُنّاع الماركة صفة التركيز على مسارٍ محددٍ، وهدفٍ معينٍ يعملون عليه، بدلاً من التشتت في أكثر من اتجاه، وهم ما أن يجدوا هذا المسار أو يخلقوه، حتى ينطلقوا للخطوة التالية في صناعة الماركة وهي الجودة والإتقان والإبداع. من الواضح بأن الأمر ليس سهلاً، وإلا لأصبح كل الناس ماركات.
ومن قال بأن صنع الماركات أمرٌ سهل، إن التميز لا يسقط من السماء على رؤوس الكسالى، ولا يتعثر فيه أصحاب الأماني والأحلام.

في الجانب الآخر، هناك فئةٌ من الناس تعرف قدراتها وإمكاناتها، ولكنها لا تمتلك مهارة التسويق لإبرازها، فهو فنٌ لم يُدّرسِوه لنا في المدارس، ولم نتعلمه في الجامعات، ولكن - والحقيقة تُقال- بأن التسويق لماركتك الحقيقية أصبح أكثر سهولةً في الوقت الحاضر مع انتشار وسائل الإعلام الجديدة، ولعلك تعرف العشرات من الأشخاص العاديين ممن أصبحوا علاماتٍ فارقة كأبطال اليوتيوب، وتجار الانستجرام، وناشطي العمل التطوعي، لأن ما قدموه – أياً ما كان مجاله– كان جديراً بالتقدير والاحترام.

حتماً ليس الهدف من صناعة ماركتك مادياً صرفاً في عالم يصرخ بالمادية، ولا بحثاً عن النجومية والشهرة في عالم يلهث بجنونٍ خلفها، نعم قد تأتيان تبعاً بعد حين، ولكن الهدف أكبر، والغاية أسمى، نحن نريد تلك الماركة المتفاعلة مع مجتمعها وناسها، نريد الماركة التي تترك الأثر الإيجابي فيمن حولها، تلك الماركة التي قال عنها شوقي يوماً ما:
وكن رجلاً إن أتوا بعدَهُ
يقولون: مرّ، وهذا الأثر
وهناك، وفي تلك اللحظة التي تجد فيها مجتمعك ومحيطك – صَغُر أم كَبُر-وقد أصبح يعطيك الثقة والتقدير، فاعرف أنك قد صنعت ماركتك، وأنك يجب أن تحافظ عليها وترتقي بها أكثر.

أتمنى أن تحيي فيك هذه الإشارات بذرةَ (ماركةٍ) ما بداخلك، بذرة تستحق منك الاهتمام والرعاية والتعب.. ومن يدري فقد تكون أنت الماركة القادمة.. عندها أرجوك لا تنس أن ترسل لي رسالةً قصيرة تقول لي فيها أنك قد نجحت، وأنك قد وجدت الماركة داخلك، لا تلك التي تغلفك من الخارج.ـ

نشر في جريدة ارياض 18 ذي القعدة 1436 (2 سبتمبر 2015)