قروش آبل والبلهاء أمثالي

قروش آبل والبلهاء أمثالي!
بقلم بدرية العبد الرحمن العبيد


نعم هكذا وصفنا كاتب مقالة الغارديان ، وكل من صدّق إشاعة أن سامسونج قد دفعت غرامتها المقررة بمليار دولار على شكل سنتات لآبل ، لم أصدق فقط، بل وأمضيت وقتا من وقتي الذي أقضيه في تقليب القنوات ومتابعة التايم لاين وغسيل المواعين في متابعة تحليل هذه الحركة الخبيثة الذكية الدنيئة المضحكة من سامسونج، لأفاجأ بي أتظاهر بأني أبو العرّيف أمام زوجي وأخبره عن القصة ليقول لي ببروده المعتاد وهو يخفض الشماسة أمام عينيه في ضجر : نفوها الغارديان..
وعدت وقرأت مقدمة مقالة كاتب الغارديان وهو يسخر من بلاهة من يصدقون كل شيء!


هنا


http://www.guardian.co.uk/technology/blog/2012/aug/29/apple-samsung-truc...


_الذين يصدقون كل شيء:



وعينا كبشر حاجة غريبة، خصوصا ذلك الوعي الذي نشكله بحواسنا الخمس، وحينما تقدمت بنا الأزمان حتى زمن الإعلام الجديد أصبح تشكيل الوعي لدينا حاجة تشبه طباعنا النزقة خارج العالم الافتراضي..



فنحن في الواقع نجد أننا لم نعد نمشي بتؤدة، لم نعد نطبخ بتؤدة وتفنن، لم نعد نطيق أن نضع أوقاتنا في شيء سعيد، كله سريع سريع سريع ، وكأننا نلتهم اللحظات والدقائق التهاما ولا نسترخي داخلها..



طيب ، والمطلوب؟



أصبحنا نشكل الوعي بنفس الطريقة النزقة الملولة الاستهلاكية، يأتي شخص من ظرفاء تويتر ويلقي تعويذة فينشَدٍهُ الكل (من الانشداه والانذهال) ويقفزون في بطن الهاشتاق، سريع سريع سريع، وعي سريع، شبيه بالأكل السريع الذي نستهلكه ونقضمه بفظاظة.



ونحن نكتب بفظاظة على فكرة.. ونغرّد بفظاظة .. ونصدق كل ما يقال فيتشكل وعي، وأوعية..



حتى إذا ما انكشف أن ما صدقناه (نصبة) خجلنا قليلا ، تراجعنا، وعدنا لعادتنا القديمة، والعود أحمد..!



التصديق كفعل للعقل الاستهلاكي:



قالوا قديما حدث العاقل بما لايعقل فإن صدقك فلا عقل له، قائل هذا المثل لم يعاصر التفكيكية ولم يجرّب فكرة انهيار المعنى والسوريالية ، لم يعش ببساطة في عصرنا حيث يمكن للأضداد أن تجتمع، ويمكن لكل شيء أن يكون صحيحا داخل شاشة..


تكن هذه الشاشة تلفازا، شاشة لاب توب، أو حتى شاشة تشغيل بلاي ستيشن..


كل الأشياء اللاعاقلة تصبح معقولة داخل هذه الشاشات..



لكننا في النهاية لانعيش داخل الشاشات بل خارجها، ولذلك نأخذ قطعة من هذه العالم الشاشي إلى عالمنا الواقعي، ونقع في غلطات لا حدود لها..



أعني أنني أتذكر بداية استخدامي للبلاي ستيشن وانشغالي بلعبة ماريو ، وكيف كنت أتحدث بمنتهى الجدية مع أحد أبناء أخواتي عن طريقة حل إحدى المراحل:



"وتروح للماسورة وتدخل فيها، بتطلعك الماسورة على حديقة خضرا، ابتل امش امش امش فيها إلين توصل للبيت اللي ... الخ الخ الخ"


كانت نظرات وجه أمي الهلعة تشي ليس باستنكار فقط، بل برعب كبير من أن تكون ابنتها قد فقدت عقلها..


_هذا حلم يا بنيتي ولا علم..


هكذا قالت الله يجزاها الجنة!!



هكذا نصبح نحن جيل الاستهلاك المفرط الفائق ضحية الشاشات، حتى لغتنا تصبح بلهاء وتصدق كل شيء لدرجة الخجل..



  _شيء في اللغة:



يكتب لك أحدهم تغريدة بطريقة (انا جبت الذيب من ذيله) ، وإذا تناقلتها الأسماع والريتويتات فالكل يقف مبهورا أمام اللغة الباذخة التي كتبت به ..


من أنا ومن أنت حتى نكذّب تغريدة كتبت بهذه اللغة؟



نحن في الحقيقة نستهلك من النصوص والمعلومات الموجزة ب160 كميات رهيبة كل يوم..


الجديد الذي لانشعر به هو أن الصور التي تكتبها هذه التغريدات في أذهاننا (الموضوعات والمدلولات) هي نفسها، ربما لاتزيد كثيرا ... لكنها لو دققنا ترسم نفس الصور وتؤكد عليها وكأنها ترسم بالرصاص مرة تلو الأخرى على ورقة بالية..


ربما وعينا يتضخم وينمو أفقيا كما تنمو أجسادنا المترهلة على الكنبات وأمام شاشات التلفزة في الشقق المسعورة الإيجارات..



يورث فرط الاستهلاك للنصوص هذا ترهلا فكريا ولغويا، بحيث تصبح أدنى تغريدة قابلة للرتوتة والتصديق..


 


_ شيء في الصورة / شيء في المنطق والعلم:


أذكر أنني جادلت أحد أساتذتي في مادة الصحافة عن الصورة ودورها في تأسيس الحقيقة الصحفية، وكيفية خداعها للمتلقي، بحيث يصبح المتلقي عبدا للصورة، وتصبح الصورة بالمقابل الوثيقة على الحقيقة الصحفية التي كانت سابقا حبيسة التصريح الصحفي وما يمليه هوى الكاتب والمراسل..



لقد فعلت الكاميرا بالتاريخ الشيء الكثير، فهي من وقفت على جرائم العنصرية في بداية القرن العشرين، وهي من وثقت كل الأشياء المحزنة التي فعلوها في الحربين وزمن الحرب الباردة ..


ولكننا وصلنا لزمن رأينا فيه سي إن إن تعرض صورة لجندي من جورجيا بجبيرة يرتديها فوق بنطلونه وهو يتلوى من الألم على أنه جريح أمام عدوان الجيش الروسي على جورجيا عام 2008..


ومرت الأيام ورأينا نفس القناة تعرض جنودا إسرائيليين مغطي الوجوه يرتدون جبائر ويطلقون أصوات أنين واضحة الافتعال في حادثة العدوان على السفينة فلوتيلا عام 2010..



هل كل هذا العبث وأمثاله الكثير قلل من شأن الكاميرا؟ الصورة في عقل المتلقي؟
الجواب هو : لا..



مازلنا أسرى الصورة.. مهما تكن مزيفة أو واضحة التزييف ..



حين قالوا لنا أن سامسونج دفعت لآبل نقودها على شكل سنتات لم يستغرق الأمر أكثر من صورتين لرجل يسكب بنسات طائلة، مع صورة لأرتال من الشاحنات قيل أنها حاملات سنتات..



لقد صدّقنا بسبب وجود صورة ، وكانت الصورة كافية لاستعباد وعينا وشلّ بقية حواسنا عن متابعة وقياس تلك القصة..
لم يكلف الكثيرون أنفسهم عناء عملية حسابية لوزن الخمس سنتات وقدرة الشاحنات على حمل كمية هائلة من السنتات كما كلف كاتب مقالة الغارديان الذي وصفنا بالأغبياء.. وربما لاتكون هذه هي المشكلة..



المشكلة هي أننا لم نكلف أنفسنا عناء التحقق من التفنيد الذي قام به كاتب مقالة الغارديان..
أي أننا في الحالتين عندما صدقنا، كنا مستهلكين للحقيقة ولسنا صانعين لها أو مؤسسين لوعينا الخاص..
وعندما كذبنا كنا أيضا مستهلكين لحقيقة وردت في مقالة كتبها رجل في الغارديان..



في كلا الحالتين تحولنا إلى (الرجل ذي البعد الواحد )، وكله بفضل سيطرة الصورة واللغة على عالمنا..
نحن عبيد الإعلام... لانصنع وعيا ولا نعي واقعا إلا ما يراد لنا أن نعيه..


_لماذا القول ماقالت الغارديان؟



لماذا حين قال زوجي : نفتها الغارديان..
شعرت بخجل كبير لم أكن لأشعر به لو كان قال : نفتها جريدة الرياض..



هل لأني أعرف أن الغارديان جريدة عريقة تملك خاصية الوصول إلى مصدر الخبر ما لايملكه الظريف الذي اختلق قصة الخمس سنتات؟
هل يعصمها مكانها الضخم كجريدة عريقة من الغرق في مستنقع التحيّز؟



ربما كانت الغارديان أكثر استقلالية من غيرها من الوسائط العالمية، وتبدو أخبارها وكأنها ناصعة بريئة من أوصام التحيّز والتصهين والتحزب..



ولكنها في النهاية وسيط مدفوع الثمن، وخبرها لا يكتب مجانا، ولا( توزع مجانا ولا تباع)..



لكن لأن الأعور في ديرة العميان ملك، فمن الطبيعي أن أشعر بالخجل الشديد حين وصفتني الغارديان _أنا وكل من صدق معي_ بالأغبياء الذين يصدقون كل شيء..



هذا الشعور بالخجل كان ليصبح فخرا لو وصفتني به إحدى الجرائد المحلية .. أقول ربما.
نحن في النهاية لا نعلم شيئا ونحن نجاهد في عالم صناعة الوعي


في النهاية نحن نصدق الخبر حين تقوله الغارديان، وننفيه حين تقوله جريدة أخرى أقل شأنا


نحن في النهاية نصدق الوسيط، ولا نكترث للحقيقة..


..
لا ندري في النهاية هل الحق أبلج فعلا؟ أم هناك شيء يجعله أكثر أو أقل  انبلاجا ؟