ينطلق الباحث في هذه الورقة العلميّة من المسلّمة التي تجعل حياة اللّغة بسبب من استعمالها، وتقول بأنّ وجود نماذج موفّقة وموثّقة في استعمال اللّغة ينهض بدور مهمّ في تأمين حياة اللّغة وحثّ الناس على استعمالها. وهذا ما تحقّق على الوجه الأمثل في القرآن الكريم الذي ساهم بدور جليل في أن تظلّ العربيّة لغة حيّة تُسمع وتُتداول. وهو أمر فسّره الباحث ببلاغة القرآن التي تمثّلت في وجوه من استعمال العربيّة أغنتها، وقوّتْ قدرتها على الإبلاغ، ووسّعت مداها التعبيريّ، وأضفت عليها حيويّة.
من هذا المنطلق يرى الباحث أنّ من العوامل التي تشجّع الناس على استعمال العربيّة فتحَ بصائر أهلها على ما يوجد في لغتهم من إمكانات تعبيريّة لا يمكن الوصول إليها إلاّ إذا توفّر عند المتكلّم حسّ بلاغيّ يُغريه باستعمال العربيّة ويُشعره بأنّه يحيا في لغته وبأنّ لغته تحيى على يديه كلّما تكلّم بها. ومن هذا المنطلق يعتبر الباحث أنّ من التحدّيات التي تواجه العربيّة اليوم ضمور الحسّ البلاغيّ عند كبير من أبنائها. وهو ما يزهّدهم في استعمالها ويدفعهم إلى البحث عن لغات أخرى يشعرون أنّها أقرب إليهم وأقدر على التعبير عن أغراضهم. ومن هذا المنطلق أيضا وبناء على كلّ ما سبق، ينتهي الباحث إلى القول بأنّ البلاغة هي التي تقتل اللّغة، وهي التي تُحييها، وأنّ تحجّر اللّغة من تحجّر بلاغتها، وأنّ حياة اللّغة من حياة بلاغتها، وأنّ جزءا كبيرا من حياة العربيّة مرتهن بمدى قدرتنا اليوم على أن نخرج ببلاغتها من أفق ضيّق إلى مجال أرحب، وأن نوسّع مداها، لننتقل من بلاغة الأدب التي يحتكر إنتاجها عدد قليل من المتكلّمين إلى بلاغة الحياة التي يصبح كلّ فرد قادرا على إنتاجها والتي تنتعش بها اللّغة في كلّ استعمال، لأنّ المتكلّم بها عرف كيف يطوّعها لأغراضه ويبلغ بها الحدّ الأقصى في الدلالة والتعبير.