مقياس "بينيه" للقدرات العقلية موضة قديمة
من السهل معرفة القياس الدقيق للوزن ، الطول ، الكولِسترول ، السكر ، وربما غالبية مكونات جسم الإنسان . ومن اليسير أيضا قياس الكثير من الجوانب التي كانت غامضة وغير معروفة ، مثل ما يتم عن طريق الليزر والإشعاعات ، ومن ذلك وحدة قياس الوزن الذري ( (amu. وقد أضحى الحديث في هذا الشأن يتجاوز معرفة القياس إلى مقدار الدقة ، حتى وصلنا لعصر النانومتر ، وهو جزء من المليون من المليمتر! لكن قياس القدرات العقلية للبشر مازال - برغم قدم المحاولات - في خطوات يمكن وصفها بالأولية إذا ما قورنت بتقدم غيرها . ولا يزال قياس القدرات العقلية أمر تقريبي ، حتى مع استخدام المقاييس العلمية. ولذلك فإن تحديد القدرات العقلية (برقم) يُعد أمر نسبي يترجح فيه الخطأ أكثر من الصواب .
ضمن محاولات قياس القدرة العقلية البشرية ما تم على يد العالم الفرنسي الشهير "بينيه" Binet، منذ ما يزيد عن المائة عام ، والمعتبر وقتها نقلة نوعية في المجال . بعد عدة سنوات من ظهور هذا المقياس، أجُريت عليه تعديلات رئيسية . تبعها المزيد من التغيير والإضافات التي استمرت في التحديث بين فترة وأخرى إلى عصرنا الحاضر . وفي الوقت الذي يُعتقد فيه أن ملاحظات العلماء والتجارب والإضافات التي تمت عبر السنين ستزيد مقياس القدرات العقلية دقة ، حدث خلاف ذلك من وجهة نظر بعض العلماء .
العالم الأمريكي "هَوَرد قاردنر" Howard Gardner صاحب نظرية الذكاء المتعدد Mutable Intelligence Theory والأستاذ في جامعة هارفرد ، يعتقد ان مقياس )بينيه( لقياس الذكاء قد أنتقل من فرنسا إلى أمريكا في بداية القرن العشرين ضمن ما أنتقل من "أدوات الموضة" التي تلقتها أمريكا من القارة الأوربية في ذلك الوقت . ويعتقد (قاردنر) أن مقاييس القدرة العقلية المعاصرة لا تقيس سوى قدرات محدودة من العقل البشري. كما يشير قاردنر إلى أن قوة مقاييس الذكاء الحالية تكمن في الجانب التنبؤي بمدى النجاح في المدرسة ، لكنها لا تملك إلا نزرا يسيرا من هذه الميزة خارج سياق المدرسة . ويعتقد بوجود العديد من القدرات العقلية التي ليس لها تمثيل في تلك المقاييس ، ومنها على سبيل المثال: الذكاء الحركي ، الذكاء العاطفي ، الايقاعي ، وغيرها . ولهذا ظهرت مقاييس أخرى تشمل جوانب لم تكن ضمن مقياس (بينيه) . كما تحدث علماء أخرون أيضا عن قدرات عقلية أكثر من تلك التي أشار إليها (قاردنر). لذلك علينا جميعا ان نتحسّب كثيرا قبل إصدار حُكم بقدرات الآخرين العقلية ، خصوصا اذا كان هذا الحكم مرتبط بقرار يحدد مسار دراسي أو يقرر مصير وجهة حياتية . كما أن مناهجنا التعليمية وخططنا الدراسية وأساليب تربيتنا للأبناء ، بحاجة إلى إعادة نظر تراعي (تعدد الذكاءات) وتخفف الكم النظري الهائل إلى دروس ذات طبيعة عملية ، إيقاعية وتفاعلية ، تتيح المجال لتنوع قدرات البشر لاسيما في عصر التقنية المبهر.
د/إبراهيم الثابت - قسم التربية الخاصة
مقال منشور في صحيفة رسالة جامعة الملك سعود
Dribrahim
| المرفق | الحجم |
|---|---|
| 291.88 كيلوبايت |
