عرض لكتاب ضياء الدين سردار ، الإسلام ومابعد الحداثة والمستقبلات الأخرى
بواسطة badalobaid في 18 يناير 2015
ضياء الدين سردار ( الإسلام وما بعد الحداثة، والمستقبلات الأخرى).
ضياء الدين سردار هو عملة ثقيلة في الحديث الإسلامي في الغرب، وتحديدا في بريطانيا حيث تشكّل كتاباته موردا ثريا للنقاشات الفكرية والاجتماعية في مجتمع المسلمين وغير المسلمين أيضا، ذلك أن كتاباته تنضح بإبداع نادر في سياقي الفكر الإسلامي والغربي بعد الحداثي في آن واحد.
في كتابه (الإسلام وما بعد الحداثة والمستقبلات الأخرى) والذي نشرته دار بلوتو بلندن عام 2004 جمع الباحثان سهيل عناية الله وجيل بوكسويل مجموعة من المقالات والتحليلات المنشورة لزين الدين سردار لتتاح للقارئ على شكل كتاب مترابط وجميل آثرت أن أقتبس منه بعض الأفكار لعلها تشوّق القراء إلى الاطلاع على الكتاب..
سردار بالمناسبة نشر كتبا قيّمة مثل (بحثا عن الجنة، تأملات في حياة مسلم متشكك) وكتاب (الحلم الأمريكي كابوس العالم ) بالتعاون مع الكتابة ميريل وين ديفيس والذي ترجمته العبيكان ونشرته عام 2004
يستهل مقدّم الإسلام والحداثة والمستقبلات الأخرى بقصة طريفة حصلت لسردار في ندوة دعي إليها في مطار أوتاوا، حيث كانت في استقباله جماعة استطاع التعرف عليهم فورا ومن ثم تقديم نفسه لهم، حيث فوجىء بهم يخبرونه بأنهم مستعجلون وإنهم في طريقهم لاستقبال كاتب مهم من لندن، ويبدو أننا فقدناه! حين أصر سردار: أنا هنا، أنا هو الكاتب من لندن!كان الرد المندهش: هل أنت كاتب مستقبل الحضارة الإسلامية؟ _ نعم أنا هو، يبدو أنكم أحبطتم جدا! وكان الرد:لا ولكننا توقعنا شخصا أكبر عمرا، شيخا بلحية وظهرمحني..
هذه القصة الطريفة ترمز للتغييرات القادمة في المفاهيم والقوالب التي توجد في العقل الجمعي للأمة، فالمعرفة الدينية لم تعد حكرا على عمر معين أو منهجية معيّنة، إذ الكل يمكنه الوصول إلى النص والتعامل معه ربما بقدرات متفاوتة..!
سردار _والكلام لمقدمي الكتاب_ أثبت نفسه كعَلَم إسلامي فكري يمزج الفكرة بالواقع ويغذيها بروحه الشبابية ليصنع مشروعا هو خلاصة مقالاته وكتبه، والمشروع باتساعه وتفصيلاته يتمدد ويكبر داخل الإسلام و يمتح من أركانه ومقاصده الكبرى ليغذّي الإبداع من داخل الحضارة الإسلامية وعناصرها الثرية.
تعاريف ضائعة
جلب سردار في القسم الأول من كتابه كل التعاريف الإسلامية الكبرى التي يؤمن أنها يتم تعطيلها في القراءة المعاصرة للنصوص الشرعية، ويتساءل عن مكانها الحقيقي الذي يمكنه إثراء عملية الإبداع الحضاري. بالتأكيد لا تخلو هذه التقريرات من توجيه اتهامات للعلماء وللتاريخ عبر ثلاثمائة سنة سابقة، فمفهوم (العلم) مثلا في التعريف الإسلامي هو مفهوم ازدهر تحت ثقافة النص، وثقافة النص باعتبارها السياق التاريخي لازدهار العلم هي السبب في انفجار حركة التأليف والعلوم المساندة لتوثيق النص، فعلم الجرح والتعديل والتدوين والتأريخ والرواية والدراية كلها علوم ازدهرت في ظل النص، وأمر أكثر من ذلك أن الأسس العلمية للحضارة الإسلامية جعلت من مفهوم (الحقيقة) أمرا مختلفا في الثقافة الإسلامية عنه في الثقافات الأخرى المحيطة، فهو تعددي ونسبي وقابل للتداول والنقاش في المناخات الحرّة غير المسيّسة.
يعود سردار إلى أزمة العلم في العالم الإسلامي المعاصر والقراءة المعاصرة للإسلام لينحي باللائمة على حاجز حجمه ثلاثمائة عام من التغييب والتحجيم رغم أن بداية الطباعة في العالم الإسلامي بدأت منذ حملة نابليون على القاهرة، إلا أن سردار يقلل من دور المطبعة لأن انتشار المعرفة في عصر إقطاعي كما كان عليه العالم الإسلامي قبل ثلاثمائة سنة كان خطراً على السلطة السياسية والدينية معاً. وبالتالي تم تشكيل حاجز مدته قرون ثلاثة مابين المسلم ومابين القرآن الكريم إلى أن وصل تطوّر العقل الإسلامي مرحلة الأزمة والغياب في ذلكم العصر.
الجهاد المعطّل والبديل الوخيم
يضرب سردار مثلا أكبر وأهم على عملية تعطيل المفاهيم الإسلامية الأساسية وتفريغها من مضامينها، وهو مفهوم الجهاد الذي تم تفريغه من مفهومه الإبداعي المتعدد، ما أدى إلى ظهور كارثة 11 سبتمبر.
إنه من الطبيعي في نظر سردار أن تفريغ حياة المسلم من سياق إسلامي عدا الشعائر والعبادات سيجعل التفكير الإبداعي والتفكير بالجهاد يتحجّر ليقفز تفسير النص إلى مصدره التاريخي متجاوزاً حدود الزمان والمكان، وهذا هو بالضبط تشخيص مشكلة الإرهاب الأصولي الذي يخدم وجوده السيادة الغربية ويبرر أخلاقيا لوحشية الإمبريالية الأمريكية ضد العالم الإسلامي.
في نظر سردار، لا يمكن أن يرعب الإمبراطورية الغربية سوى نهضة حضارية مماثلة تسحب منها البساط وتجفف قلبها الذي هو رأس المال الذي يزداد تضخّما، ولا يمكن مواجهته إلا بجهاد حضاري تم تجميده عبر تعطيل الاجتهاد والإبداع في سياقات الإسلام.
يؤكد سردار أن أكبر ما يواجه العقل الإبداعي هو عملية التجميد والتعطيل التي وصلت بالاجتهادات المفردة لفقهاء قدماء إلى مرحلة العصمة مما أدى إلى إقصاء القارئ العادي عن الإبداع في سياق الإسلام، وفي مراحل متقدمة أدى بالقارئ إلى ابتكار سياق مناسب للاجتهادات التي تنتمي لمكان وزمان سابق بدلا من ابتكار اجتهادات وقراءات للنص مناسبة للسياق المعاصر.
العجيب في نظر سردار أن الشريعة في السابق كانت تتجدد ضمن سياقاتها المتجددة، بينما تجمد الآن في وقت هي أحوج ما تكون فيه إلى التجدد.
آثار ثلاثة ترتّبت على تعطيل مفهوم الجهاد: 1_تصعيد الشريعة إلى مرحلة العصمة 2_ إقصاء المسلم العادي عن الإسلام وفصله التام عن القرآن الكريم 3_ اختزال الإسلام في المفاهيم الأصولية التي تعتنقها الجماعات الأصولية، بمعنى أن يحوّل الإسلام إلى أيديولوجيا وبرنامج تصرفات تنظيمي بدلاً من أن يكون الإسلام رؤية كونية شاملة تحكم التفكير وتقود الإبداع.
الأصالة سيرورة وليست طهورية.
لا يفوت سردار أن يؤكد على أن خلق الديناميكية والفاعلية داخل الحضارات المهمّشة هو ما يخيف الغرب حقا، لأن خلق المنافسة الحضارية يعني عودة الحضارة الغربية إلى مكان متساوي في استهلاك الثروات العالمية مع غيرها من الحضارات.
هذا الإحياء لا يتم في نظر سردار إلا باستنهاض الأصالة الثقافية في الحضارات المهمّشة، إنما ماذا تعنيه الأصالة في نظر سردار؟؟
الأصالة تعني مشروعا مستمرا من التحديث في اتجاه أصيل يعبّر عن روح الحضارة وهويّتها. إن مشروعا حضاريا بهذا الاتزان يشكل تهديدا حقيقيا للسيادة الغربية، والسيادة الاستبدادية من جهة أخرى، وهو الأمر الذي جعل هذه المهمّة في إحياء الأصالة الكامنة في الثقافات المهمّشة عرضة لنقد التقليديين من جهة ، والحداثيين من جهة أخرى.
لاشيء أكثر عداء للإسلام من برمجته على هيئة أيديولوجيا شمولية تقتل المقاصد الكبرى في الإسلام. ويتوصل سردار إلى حقيقة طريقة تكاد تختزل ما يحصل الآن، فمايحصل عندما يكتشف الإسلاميون ماضيهم الذهبي هو أنهم يتصورون تألق الماضي ناتجا من التمسّك بسياقه وليس جوهره، ومن هذا الشعور يفسدون الحاضر عبر إنكاره واحتقار المستقبل، ونحصل على نموذج مشابه لأنموذج طالبان المعادي للمستقبل والحضارة.
إن قفل باب الاجتهاد هو ماجعل مفهوم العالمِ يتقلّص من المفهوم الشمولي للمعرفة الذي كان عليه بدء الإسلام إلى المفهوم الضيق للعالِم الديني الذي وصل أسوأ مراحله في نهاية العصر العباسي.
مفهوم الإجماع أيضا في نظر سردار من أهم المفاهيم التي قتلت في الإسلام في مرحلة مبكرة، حيث أن الإجماع كان صورة ديمقراطية مبكرة تم قتلها بواسطة الأكليروس الديني بينما كان صنع القرار في عصر الرسول صلى الله عليه وسلم إجماعيا بمشاركة كل الصحابة، فيما اختزل هذا المفهوم إلى إجماع العلماء.
مفاهيم كثيرة اختزلت ويسردها سردار في سياق حديث معاصر بالغ التشويق لكي تتم قراءتها وتعريفها من جديد لتكون مشروع المستقبل القادم الذي يراه مشرقا وقادما بقوّة..