تاريخ الأقصى
تاريخ الأقصى(2) 17/4/1431هـ
عباد الله..أرض مباركة،وبقعة مقدسة،معدن الأنبياء،ومهوى أفئدة الأولياء،أرض المحشر والمنشر،أحداثها تتجدد،ووقائعها تتعاقب،يتجاذبها الخير والشر،ويتصارع عليها أهلها الحقيقيون أصحاب حق مشروع،مع دعاة تاريخ مزيف،ونبؤات كاذبة،قام عليها دينهم المحرف،وانطوت عليها قلوبهم القاسية مع ما تغلغل فيها من الحقد والكراهية،على الأمة الخاتمة.
عباد الله..احتلت القدس والمسجد الأقصى منزلة رفيعة في الإسلام،بعد أن تحولا إلى إرث الأمة الخاتمة،ولم يكن تعلق المؤمنين من بين إسرائيل بهذه المقدسات بأكثر من تعلق المؤمنين من أتباع محمد صلى بها،فالقدس والأقصى يسكنان قلب كل من له قلب من المسلمين،وقد وصف القرآن الكريم أرض بيت المقدس بصفات البركة والطهر والقدسية قال تعالى:يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم)فهي أرض مقدسة بغض النظر عن وجود بناء من عدمه،وما كان كذلك فلا يمكن أن يأذن الله شرعا بأن يكون سكنا خاصا بالمشركين والكافرين فضلا أن يقيموا فيه شعائرهم الكفرية والشركية،وقال سبحانه(سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا)ففيه دلالة على أن آخر صبغة للمسجد الأقصى وهو المعبد العريق في القدم،هي الصبغة الإسلاميةوقال تعالى(ونجيناه ولوطا إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين،وقال عز من قائل(فلما أتاها نودي من شاطئ الواد الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة..) وقد وردت إلى جانب الآيات أحاديث نبوية يتبين من خلالها ما لبيت المقدس والمسجد الأقصى من منزلة وفضل،منها ما رواته ميمونة زوج النبي صلى قالت:قلت:يارسول الله أفتنا في بيت المقدس؟قال: أرض المحشر والمنشر،ائتوه فصلوا،فإن صلاة فيه كألف صلاة في غيره،قلت:فإن لم أستطع أن أتحمل إليه؟قال:فتهدي له زيتاً يسرج فيه،فمن فعل ذلك فهو كمن أتاه)رواه أبو داود وأحمد. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال:قال صلى :لاتزال عصابة من أمتي يقاتلون على أبواب دمشق وما حوله وعلى أبواب بيت المقدس وما حوله،لا يضرهم من خذلهم،ظاهرين على الحق إلى أن تقوم الساعة.رواه أبو يعلى ورجاله ثقات..فهذه المناقب وتلك الفضائل كانت حاديا للمسلمين منذ عهد الرسالة وما تلاه لكي يرفعوا رايات الجهاد،كلما تهددت قدسية الأرض المقدسة بسوء،لكي تظل الأرض المقدسة في الشام خالصة للتوحيد،كما هو الشأن في مكة مهد التوحيد.
عباد الله..صعد النبي صلى إلى السماوات العلى،ليرى من آيات ربه الكبرى،وكان المسجد الأقصى هو المكان الذي صعد منه،فلو لم يحدث في زمن النبوة ما يشرف هذا المكان إلا ذلكم لكفاه،ولكن الواقع أن بيت المقدس كان له نصيب آخر من أحداث عهد النبوة،إذ توجه إليه اهتمام النبي صلى عملا بعد أن ندب إلى تكريمه وتعظيمه معنى. فبعد أن توطدت دعائم الدولة الإسلامية الناشئة في المدينة المنورة،وبعد أن تم فتح مكة وأعز الله دينه فيها،وتمكن المسلمون من رفع راية التوحيد فوق ربوع الكعبة المشرفة..تلفتت أنظار النبي صلى صوب بيت المقدس في الشام ليطهرها من أدران الشرك الروماني النصراني،كما طهر مكة من أوضار الشرك العربي الوثني،لتبدأ بذلك الخطوة الأولى نحو الهدف الكبير،وكان رسول الله صلى قد بعث برسائل إلى هرقل عظيم الروم يدعوه إلى الإسلام وبعث الحارث بن عمير الأزدي،إلى عظيم بصرى،ولكنه أوثق المبعوث رباطاً وقتله،ولم يقتل لرسول الله صلى رسول غيره،فندب النبي صلى الناس للخروج للشام في العام الثامن للهجرة،فاجتمع من المسلمين ثلاثة آلاف مقاتل قد تهيؤوا للخروج إلى مؤته(شرق الأردن)ولم يخرج النبي صلى معهم وفي هذه الغزوة قتل زيد بن حارثة وجعفر بن أبي طالب ثم عبد الله بن رواحة،ثم التقف الراية سيف الله المسلول خالد بن الوليد،ففتح الله عليه بأن انسحب ببقية الجيش انسحابا آمنا بعد أن ناوش الروم ونال منهم حين انسحابه،وقد حمد له النبي صلى هذا الصنيع. ثم إن الروم قد بدأت بحشد الجيوش للإغارة على دولة الإسلام ليضربوه في شمال الجزيرة،لتضمن البقاء جاثمة على أرض بيت المقدس،فلم يجد النبي صلى بداً من استنفار المسلمين لملاقاة العدو المستكبر،وذلك بعد منصرفه من الطائف في السنة التاسعة للهجرة،وقد اكتنف إعداد الجيش الذي أنشئ لقتال الروم في الشام ظروف عصيبة،حتى سمي جيش العسرة،ولما بلغ الجيش تبوك لم يجد للرومان أثرا يدل على استعداد لحرب،فيبدوا أنهم آثروا الاختفاء عن ملاقاة جيش الإسلام الفتي،وجاء ختام الغزوة طمأنينة وعزة للمسلمين..وبعد أن عاد النبي صلى من حجة الوداع أمر المسلمين بالتهيؤ لغزو معاقل الروم في أراضي الشام،واختار لإمرة هذا الغزو أسامة بن زيد رضي الله عنهما وكان شابا لم يجاوز الثماني عشرة سنة،فأمره أن يوطئ الخيل تخوم البلقاء والداروم من أرض فلسطين،وكان ذلك مع مبدأ شكواه صلى من مرضه الذي توفي فيه.فلما تجهز الجيش اشتد مرض النبي حتى اختار الله تعالى نبيه للقائه،وآثر الرفيق الأعلى على البقاء في الدنيا،فوجه أبو بكر رضي الله عنه الجيش إلى تخوم البلقاء،وأمده بقيادات أخرى إلى الشام والعراق..حتى تمخضت ملاحم النصر عن فتح عدة مدن بفلسطين منها نابلس وعسقلان وغزة والرملة ورفح وغيرها،وبهذا مهدت الجيوش الإسلامية في خلافة أبي بكر الطريق للزحف نحو بيت المقدس،وبعد هذه الأحداث لحق أبو بكر الصديق بملأ السماء سنة ثلاث عشرة،ثم وجه عمر بن الخطاب أبا عبيدة بن الجراح لفتح المدينة المقدسة،فضربوا الحصار حول المدينة المقدسة في أيام برد شديد،حتى استيأس أهل ايلياء من مغالبة الحصار بعد مرور أربعة أشهر،فطلبوا الصلح على أن يتولى الخليفة عمر بنفسه استلام المدينة ليضمنوا العهد والأمان منه،فأجابهم عمر وقرر الخروج،فخرج حتى وصل إلى المدينة ليحرر مسرى رسول الله صلى فلما أشرف على المدينة المقدسة كبر وكبر معه المسلمون،وكان ممتطيا بعيرا أحمر عليه غرارتان في إحداهما سويق وفي الأخرى تمر،وبين يديه قربة مملوءة بالماء،وخلفه جفنة للزاد،وكان يتبادل مع غلام له الركوب على الراحلة،فعندما بلغ الخليفة سور المدينة كان دور الركوب لغلامه،فنزل عمر وركب الغلام وعمر يمسك بخطام البعير،فلما رآه المحصورون أكبروه،وبكى بطريك النصارى،وقال:إن دولتكم باقية على الدهر،فدولة الظلم ساعة،ودولة العدل إلى قيام الساعة. وكتب عمر وثيقة الأمان،وبعد أن انتهى من كتابتها طلب من البطريك أن يدله على مكان مسجد داود،ثم مضى بهم إلى مكان مسجد بيت المقدس،ثم نظر عمر يمينا وشمالا وقال:الله أكبر،هذا والذي نفسي بيده مسجد داود عليه السلام الذي أخبرنا النبي صلى أنه أسري به إليه. وكان على الصخرة زبْل كثير مما طرحته الروم غيظا لبني إسرائيل،فبسط عمر رداءه وجعل يزيل هذا الزبل والمسلمون يحذون حذوه،وقرر أن يبني هناك مسجداً،فأقامه أمام الصخرة. وظل المسجد قائماً في عصور الخلفاء الراشدين التالية لعهده،حتى جاء عهد معاوية بن أبي سفيان أول خليفة في دولة بني أمية فنودي بالبيعة له في مدينة القدس،وتولى الخليفة عبد الملك بن مروان وابنه الوليد عملية إعمار المدينة المقدس وتجديدها،حتى أصبحت في عهدهما من أعظم المراكز في الدولة الإسلامية،ثم ظل المسجد الأقصى ومسجد الصخرة محميين تحت كنف الأمويين ومن بعدهم العباسيين حتى انتهى عصرهما..ثم وقعت القدس تحت طائلة الحكم الرافضي العبيدي،الذين تبنوا ظاهرا المذهب الشيعي وعملوا على تقريب اليهود والنصارى في فلسطين،وتزاوجوا منهم،واتخذوا منهم الوزراء والمستشاري والأطباء،حتى أبرمت المعاهدات بين الدولة الفاطمية والدولة الرومية البيزنطية النصرانية،وأدى هذا إلى رواج وانتعاش الوجود النصراني في المدينة المقدسة،وفتح ذلك أعين النصارى على الاستيلاء على هذه الأرض فيما بعد..فلم تلبث القدس أن انتزعها الصليبيون من يد أوليائهم الفاطمينن الذين كانوا من الأسباب الرئيسية في النكبة الصليبية التي حلت ببيت المقدس.فبعد أن مضى عليها خمسة قرون كاملة في ظل حماية دولة الخلافة الإسلامية المتتابعة،سقطت مدينة القدس في يد عباد الصليب في نهار يوم الجمعة سنة أربعمائة واثنين وتسعين للهجرة في عهد الخليفة الفاطمي المستعلي بالله.ظل الصليبيون في بيت المقدس يشيعون فيه الإفساد مدة إحدى وتسعين سنة،إلى أن أذن الله بالنصر للسلطان صلاح الدين فضرب على المدينة حصارا انتهى بتسليم الصليبين للمدينة يوم الجمعة سنة خمسمائة وثلاث وثمانين. وفَتْحُ صلاح الدين لبيت المقدس كان حماية في الوقت نفسه لأرض الحرمين الشريفين،حيث كان القائد الصليبي (أرناط)عازما على الهجوم على الأماكن المقدسة في مكة والمدينة..ثم آلت الولاية على بيت المقدس إلى العثمانين حتى بدأت دولتهم تضعف بعد أن أصابها داء الأمم،وبدأت القوى العظمى تنهش من جوانبها..فاحتل الانجليز مصر عام ألف وثمانمائة واثنين وثمانين ميلاديا،ولما قامت الحرب العالمية الأولى انتهز الإنجليز الفرصة،فكانت سببا مباشرا في دخولهم القدس سنة ألف وتسعمائة وسبع عشرة من الميلاد،وهو الوعد الذي صدر فيه وعد بلفور الذي يقضي بإعطاء اليهود وطناً قومياً في فلسطين،وفي عام ألف وتسعمائة وثمانية وأربعين قامت دولة اليهود وسيطرت على القدس الغربية،ثم احتلت القدس الشرقية التي بها المسجد عام ألف وتسعمائة وسبعة وستين،لتعلن منذ ذلك الوقت وإلى الآن أن القدس بقسميها هي العاصمة الموحدة الأبدية لدولة إسرائيل،ويقف خلفهم جل نصارى العالم متنازلين عن مدينة المسيح-كما يقولون-طمعاً في دخولهم في دينة عندما يعود.(بعضهم أولياء بعض،ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لايهدي القوم الظالمين) أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم..
الثانية.عباد الله..إن الواجب المتحتم في زمن الجد والصراع؛ هو اليقظة والاجتماع، والعمل الجاد،وإصلاح النفوس،والانتصار على حظوظها،والسمو بها في مدارج العليا،(إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم)،وتوعية النفس والجيل القادم بحقيقة القضية وقصة الصراع،
ولا يليق بأمة الإسلام والاجتماع أن تغرق في خلافات جانبية، ونظرات إقليمية، أو أنانية؛ يجب أن تقدم مصالح الأمة الكبرى على كل مصلحة فرعية، (وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ)
وإن من العار أن ينطلي على الأمة تزوير التاريخ، وطمس المعالم، وسرقة المقدسات، ونحن غافلون في ثقافة الروايات، وتصفيف العبارات، أو تراشق الاتهامات، والطعن في الموروثات.
والسبيل إلى فلسطين لا يمر عبر إشاعة الفوضى في بلاد المسلمين، ولا بزعزعة الأمة، أو التخريب والتفجير والاعتداء على مصالح الأمة المسلمة.
لن ننجح ما دمنا مختلفين، ولن ننتصر إن كنا متفرقين: (وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ) [التوبة:105]
هذا، وصلوا وسلموا..
اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، وأيد بالحق إمامنا وولي أمرنا، اللهم وفقه لهداك، واجعل عمله في رضاك، وهيئ له البطانة الصالحة، واجمع به كلمة المسلمين ياحي ياقيوم ياذا الجلال والإكرام.
اللهم ادفع عنا الغلا والوبا، اللهم انصر المستضعفين من المسلمين في كل مكان يارب العالمين، اللهم انصرهم في فلسطين، اللهم انصر المرابطين في أكناف بيت المقدس، اللهم اجمعهم على الحق يارب العالمين.
اللهم انصر دينك وكتابك وسنة نبيك وعبادك المؤمنين، اللهم عليك بأعداء الدين فإنهم لا يعجزونك
اللهم إن الصهاينة قد بغوا وطغوا وأسرفوا في الطغيان. اللهم هيئ لهم يداً من الحق حاصدة؛ تكسر شكوتهم، وتستأصل شأفتهم، اللهم أنزل بهم بأسك ورجزك إله الحق.
اللهم لا تقم لهم راية، ولا تحقق لهم غاية، واجعلهم لمن خلفهم آية، اللهم اهزمهم وزلزلهم وانصرنا عليهم يارب العالمين.
