التشابه بين النقود والطاقة

من الممكن في الحياة العلمية وجود تشابه بين عدد من المفاهيم والأفكار بعضها ببعض، سواء في جانبها التطبيقي آو العملي رغم كونها منطوية تحت علوم مختلفة. فعلى سبيل المثال، يمكن إيجاد تشابه بين فكرتين في حقلين مختلفين مثل الاقتصاد والفيزياء. فقد يساهم كل منهما  في فهم واستيعاب الآخر وذلك بسبب تشابه بعض الأفكار الأساسية بينهما. وفي هذا الإطار ستحاول هذه المقالة توضيح أوجه التشابه بين الطاقة والنقود.

عرّف الفيزيائيون الطاقة بأنها المقدرة على بذل شغل، ويمكن للطاقة أن تأخذ أشكالًا متنوعة كالطاقة الحرارية والكهربائية وغيرها، ويمكن تحويل الطاقة من شكل لآخر باستخدام أدوات بسيطة. ومن ناحية أخرى، يعرّف الاقتصاديون النقود بأنها أي شيء يلقى قبولًا عامًّا للدفع ويتمتع بصفة قبول إلزامية من أجل الحصول على سلع وخدمات. وبعد أخذ لمحة بشكل سريع حول المفهومين، سنناقش بعض الخصائص المشتركة بين الفكرتين (النقود والطاقة) في النقاط التالية:

  1. يتفاعل البشر بعضهم ببعض، ويتبادلون يوميًا آلاف السلع والخدمات، وحجر الأساس في هذا هو النقود، فالنقود هي وسيلة تفاعلهم وتبادلهم. في المقابل يتم تبادل الطاقة في التفاعلات التي تحدث بين الأجسام المختلفة في الكون، فالطاقة والنقود يتم تبادلهما عن طريق التفاعل.

  2. يشترك المفهومان في محدودية الكمية، فهناك حد لكمية النقود الموجودة، وبالمقابل هناك حد أيضًا لكمية الطاقة الموجودة، وذلك وفقًا لمبدأ الحفاظ على الطاقة الذي يحكم توزيع الطاقة في صورها المختلفة، وينص على أن الطاقة لا تستحدث ولا تفنى ولكنها تتحول من صورة إلى أخرى.

  3. إحدى خصائص الطاقة الأخرى أنه في نظام مغلق لا يمكن أن تُخلق طاقة من نفسها أو تفنى، ويشابه ذلك في النقود إذا ما افترضنا وجود فرد يعيش لوحده فلا يمكنه أن يخلق نقودًا وذلك لعدم وجود محيط من حوله يتفاعل ويتبادل معه، كما يشير قانون انحفاظ الطاقة على أن كمية الطاقة الكلية في نظام مغلق لا تتغير، وفي المقابل كمية النقود الكلية داخل الوحدة الاقتصادية الواحدة لن تتغير إذا لم يحدث تفاعل وتبادل بينها وبين الوحدات الاقتصادية الأخرى (سرعة دوران النقود تعكس درجة هذا التفاعل).

  4. عند دراسة تبادل الطاقة لنظام مع الوسط المحيط عن طريق الحرارة الداخلة إليه والخارجة منه، يمكن معرفة العمليات التي تتم داخله ولو لم تكن مشاهدتها مباشرة، وفي المقابل عند دراسة صافي التعامل مع العالم الخارجي (الصادرات مطروحًا منها الواردات) ودراسة الميزان التجاري، يمكن معرفة العمليات التي تمت بين اقتصاد بلد ما والاقتصادات الأخرى، كما يمكن معرفة العمليات التي تمت داخل الوحدة الاقتصادية عن طريق معرفة النقود الداخلة والخارجة منها.

نخلص مما سبق إلى أنه بالرغم من اختلاف النقود (كمفهوم اقتصادي) عن الطاقة (كمفهوم فيزيائي)، إلا أنه عند التعمق في الدراسة والتحليل نجد درجة كبيرة من التشابه بينهما، مما يساعد على اغتنام عدة فوائد، منها وأهمها المساهمة في تطور الفكرة وإمكانية الوصول إلى فهم أعمق وأدق فيما يخصها. وهذا قد يساهم بدوره في علاج بعض المشاكل المصاحبة لهذه الأفكار.

صالح العُمري