سلوكُ القيادةِ التحويليَّةِ والثقةُ في القائد

 

          الثقةُ في القائد مصطلَحٌ مُتعدِّدُ الأبعادِ Rousseau et al. (1998). وقد أكدَت دراسةُ كلٍّ من Dirks and Ferrin ( 2002) على أنَّ هناك منظوريْن رئيسيْن في الأدبياتِ لطبيعة الثقة: الأول هو منظورٌ يستنِدُ على الشخصيَّةِ، والآخر هو المنظورُ القائمُ على العلاقةِ. ومنذ نشرِه في عام 1995، تمَّ قبولُ تعريف الثقةِ الذي وضعَه Mayer et al. (1995) على نطاقٍ واسعٍ، واعتُمِدَ في البحوثِ التنظيميَّةِ (Schoorman et al., 2007). وفي هذا النموذج تُعرَّفُ الثقةُ بأنها استعدادُ الشخص الواثق لأنْ يكون عُرضةً لتصرُّفاتِ الطرفِ الواثقِ فيه استنادًا إلى توقُّع أنَّ الطرفَ الموثوقَ فيه سوف يؤدي أعمالًا معيَّنةً ذات فائدةٍ لصالح مانحِ الثقةِ (Mayer et al., 1995). وفي السياق نفسه، يشيرُ (Rousseau et al. (1998:395 إلى الثقةِ بأنها "حالةٌ نفسيَّةٌ تتألَّفُ من النية للقبول طواعيًا بناءً على التوقُّعاتِ الإيجابيَّةِ لنوايا الطرف الآخر أو سلوكياته". وهنا يُقصَدُ النوايا والسلوكياتُ الخاصةُ للطرفِ الآخر التي يتمُّ الحُكمُ عليه من وجهة نظر المشرِف. وقد تكونُ هذه القابليَّةُ مُهمَّةً؛ نظرًا لأنه إذا كان الطرفُ الواثقُ مُستعِدًّا طواعيةً لأنْ يكون عُرضَةً لتصرُّفاتِ القادة والزملاء، مثل هذا الطرفِ الواثقِ، فسوف يُتاح له الوقتُ للتركيز على مَهام الوظيفةِ بدلًا من استهلاك نشاطه في المراقَبةِ (Colquitt et al. 2007). وباختصارٍ، يمكنُ اعتبارُ الثقةِ كحالةٍ نفسيَّةٍ من خلالها يمتلك الموظفُ الثقةَ وإظهارَ الولاءِ للقائد. وفقًا Burke et al. 2007)) يمكن تعزيزُ أو إضعافُ مستوى الثقةِ التي يتمتعُ بها شخصٌ ما بسبب الخبراتِ والتفاعلاتِ والسياق الذي توجد فيه العلاقةُ. وفي هذا الصَّددِ، قد يكونُ مستوى ثقة التابعين في مُشرِفهم على أساسِ طبيعةِ العلاقةِ بينهم. على هذا النحوِ، يحتاج القائد أنْ يكون قادرًا على كسْبِ درجةٍ عاليةٍ من ثقة المرؤوسين. ويتعينُ على المرؤوسين أنْ يثِقوا في قائدهم من أجل أنْ يشعروا بالإيجابيَّة تجاهَه وبذْل جهودٍ إضافيَّةٍ في الأداء وتحقيق الرؤية(Bartram and Casimir,2007). وكذلك، يجب على التابعين الثقةُ في قائدِهم بسبب حالةِ عدم اليقين وعدم الوضوح الملازِمة لظروف الوضع الراهن. تُولِّدُ القيادةُ التحويليَّةُ الثقةَ في التابعين بما أنَّ هذه القيادةَ تُظهِرُ الحرصَ على الرفاهيَّةِ والاحتياجاتِ الشخصيَّةِ للتابعين، وكذلك التصرُّف بطريقةٍ تنسَجِمُ مع القيم التي تتبنّاها (Bass, 1985). ويمكنُ تفسيرُ هذا التوقُّع على أساس أنَّ التابعين ينسِبوا الصفاتِ الإيجابيَّةَ للقيادةِ التحويليَّة، وذلك من خلال التشرُّبِ بمعتقداتِهم، وقيمِهم، وسلوكياتِهم.
وبحسب رأي (McAllister (1995 فإنَّ الثقةَ ليسَت مُهمَّةً للحفاظ فقط على الفعالية الفرديَّةِ والتنظيميَّةِ، ولكنها تكمُنُ أيضًا في صميم العلاقاتِ وثؤثِّرُ على سلوكِ كلٍّ طرفٍ تجاهَ الآخَرِ (Robinson, 1996). والعلاقاتُ بين القائد والتابعين ليسَت استثناءً. من خلال ملاحَظة التابعين لتصرُّفاتِ قادتهم وسلوكهم؛ فإنَّ ذلك يدفعُهم للثقة في قادتهم؛ وذلك بسبب الالتزام الشخصيِّ للقائد لتحقيق الرؤى والأهداف. علاوة على ذلك، يسعى القائدُ التحويليُّ لتمكين أتباعه وتشجيعهم على التفكير الذاتيِّ؛ مما يغرسُ لديهم الثقةَ (Bass and Avolio, 1995). وينبغي أنْ يُولِّدُ القائدُ التحويليُّ مستوياتٍ أعلى من الثقة في التابعين بما أنهم يُظهِرون الدعمَ والتشجيعَ والاهتمامَ والاحترامَ لأتباعِهم (Dirk and Ferrin, 2002; Jung and ). وبناءً على ذلك، تمثِّلُ الثقةُ سمةً مُهمَّةً من سماتِ القيادةِ التحويليَّةِ (Jung and Avolio, 2000)
القائدُ التحويليُّ الذي يتحلَّى بسلوك التأثير المثاليِّ من خلال التصرف كقدوةٍ، وإبراز السلوك الأخلاقيِّ الذي يَحتذي به التابعون ويحظى بأعلى مستوياتِ الثقة من قِبَل التابعين (Jung and Avolio,2000). إنَّ إظهارَ القائد للسلوك المثاليِّ والاستعداد لتقديم مصالح المجموعة على المصالح الشخصيَّةِ للقائد يمكن أنْ يُسهِمَ في تعزيز العلاقةِ العاطفيَّةِ بين القائد والتابعين؛ ممّا يؤدي إلى ارتفاع مستوياتِ الثقة العاطفيَّة. وبالإضافة إلى ذلك، القائد الذي يُظهِرُ استعدادًا للتضحية بمصالحه الشخصيَّةِ لتحقيق أهداف المجموعة، ويحافظُ على تطابُقٍ بين أقواله وأفعاله، يمكن أنْ يعزز تصوُّراتِ التابعين؛ مما يُولِّدُ مستوياتٍ أعلى من الثقة المعرفيَّةِ (Avolio and Bass, 1995). علاوة على ذلك، يسعى القائدُ التحويليُّ لتمكين وتشجيع التابعين على التفكير الذاتيِّ، ممّا يغرس الثقةَ في القائد (Bass and Avolio, 1995). على الجانبِ الآخر، تنطوي القيادةُ التحويليَّةُ على الانتقال بالتابعين للتحرُّك من الأوضاع التي ألِفُوها إلى أوضاعٍ جديدةٍ غير مألوفةٍ. ونتيجة لذلك، قد يواجه التابعون مستوياتٍ أعلى من القلق وعدم التأكد، والتي يمكن تخفيفُها أو التقليلُ منها من خلال الثقةِ في القائد (Kotter, 1996) . كما يظهرُ القائدُ التحويليُّ، من خلال رؤيته وإحساسه بالرسالة، والثقة، واحترام الذات. مثل هذه الصِّفاتِ الشخصيَّة يمكن أنْ تكسبَ احترام الثقة من المروؤسين، وتلهمَهم، وتعززَ شعورَهم بالرسالة لإنجاز الأهدافِ التنظيميَّةِ (Avolio and Bass, 1995).
كما أنه من خلال سلوك التحفيز الفكريِّ الذي يتَّسِمُ به القائدُ التحويليُّ يمكنه أنْ يُولِّدَ مستوياتٍ أعلى من الثقةِ في التابعين. من خلال تحفيز وتشجيع الإبداع، يُمكِّنُ القائدُ التابعين من المشارَكة في عمليَّةِ صُنع القرار، ويمكّنهم كذلك من التأثير على القراراتِ التي تؤثِّر على طبيعةِ أعمالهم. وهذا يوفِّرُ إشارةً للتابعين أنَّ القائدَ يحترمُهم، وهو على استعداد للدخول في عمليَّةِ التبادلِ الاجتماعيِّ (Avolio and Bass, 1995). وهذا بدوره، يؤدي إلى تعزيز العلاقة العاطفيَّة بين الطرفيْن، ويؤدي إلى مستوياتٍ أعلى من الثقةِ العاطفيَّةِ. أيضًا، يُحتمَل أنْ يؤدي هذا السلوكُ إلى توليد الثقةِ المعرفيَّةِ، ويعزز من تصوُّراتِ التابعين فيما يتعلَّقُ بكفاءة القائد ونزاهته.
وبإظهار القائد التحويليِّ لسلوك التحفيز الإلهاميِّ من خلال إيجاد رؤية مشتركة لإعضاء المجموعة، بحيث يمكن أنْ تميزَهم، والتأكيد على تحقيق تلك الرؤية، يمكن أنْ تُسهِم في زيادة مستوى ثقة التابعين (Avolio, 1999). عندما يكون هناك تفهُّمٌ واضحٌ من قِبَل التابعين لرؤيةِ القائد والكيفيَّة التي يمكن أنْ تساهمَ مجهوداتهم الفرديَّة في تحقيق هذه الرؤيةِ، فإنهم سوف يكونون أكثر استعدادًا للدخول في عمليَّة التبادل الاجتماعيِّ (Pillai et al., 1999). ومن المتوقَّع أنْ تؤدي إلى مستوياتٍ أعلى من الثقةِ العاطفيَّةِ؛ وذلك بسبب تفهُّم التابعين وتَبنِّيهم لقيم ومبادئ القائد الملهَم؛ مما يؤدي إلى تعزيز العلاقةِ العاطفيَّةِ بينهم (Lewicki, Stevenson, and Bunker, 1997). وبالإضافة إلى ذلك، إذا كان القائدُ قادرًا على تحقيق رؤيتهم فإنَّ ذلك سوف يزيدُ من تصوُّراتِ التابعين بكفاءة القائد ومصداقيته وإمكانيَّة الاعتماد عليه للوصول إلى الأهداف التنظيميَّة بشكل مَرِن؛ ونتيجةً لذلك تتولد الثقةُ المعرفيَّةُ.
يتضمن بعد الاعتباراتِ الفرديَّة للقيادة التحويليَّةِ تحقيق الاحتياجاتِ الفرديَّة للتابعين، والاستماع لاهتماماتهم ينتج عنه إيمانُ التابعين بأنَّ القائدَ يهتمُّ بهم كأفرادٍ، وليس فقط كأداةٍ لتحقيق المهام. وهذا يؤدي إلى زيادةِ ثقةِ التابعين في نوايا القائد ودوافعه؛ ممّا ينتجُ عنه تعزيزُ تصوُّراتهم للعدالة الإجرائيَّةِ؛ وبالتالي، الثقة (Pillai et al.,1999). بالإضافة لذلك، فإنَّ التصرُّف كمُرشدٍ والاهتمام باحتياجاتِ التابعين للنموِّ والتطور (Kark and Shamir, 2002)، يظهَرُ اهتمامُ القائد الجوهريِّ برفاهيَّةِ التابعين، وهو أمرٌ ضروريٌّ لازدهار الثقة. ولذلك؛ تمثِّلُ الثقةُ في القائد أمرًا بالغَ الأهميَّة باعتبارها أحدَ العوامل المحددةِ لسلوك المخاطَرة (Mayer et al., 1995).
بما أنَّ الثقةَ العاطفيَّةَ تنجُم من خلال عزو التابعين بأنَّ القائد يهتمُّ بهم ويتصرَّفُ وفقًا لمصالحهم، لذلك فإنَّ القائد التحويليَّ الذي يُظهِرُ الحرصَ على رفاهيَّةِ التابعين واحتياجاتهم، والأمن الوظيفيِّ لهم سوف يسعى لتقوية الرابطة العاطفيَّة مع التابعين، ودعْم مستوياتٍ أعلى من الثقةِ العاطفيَّةِ (Jung and Avolio, 2000). من المرجَّح أنْ يعزِّزَ القائدُ الذي يمارسُ سلوكَ الاهتمام الفرديِّ تصوُّراتِ التابعين فيما يتعلَّقُ بنزاهةِ القائد ومصداقيّتِه؛ مما يؤدّي إلى ارتفاع مستوياتِ الثقةِ المعرفيَّةِ.