الثقةُ والاندماجُ في العمل

 

          يشيرُ (Schaufeli et al. (2002 وزملاؤه إلى الاندماج في العمل كحالةٍ إيجابيَّةٍ، ومُباشِرةٍ، وحالةٍ ذهنيَّة تتسِمُ بالحيويَّة، والتفاني، والانغماس في العمل. وأضاف (Schaufeli et al. (2002 وزملاؤه أيضًا بدلًا من كونها حالةً لاحظيَّةً ومحددةً، يُشار للاندماج في العمل كحالةٍ إدراكيَّةٍ عاطفيَّةٍ أكثرَ ثباتًا وانتشارًا لا تركِّزُ على أيِّ موضوعٍ أو حدَثٍ أو فردٍ أو سلوكٍ مُعيَّنٍ. تتميزُ الحيويَّة بمستوياتٍ عاليةٍ من الطاقةِ والقدرةِ على الصمود العقليِّ في أثناء العمل، والرغبة في استثمار الجهدِ في العمل، والمثابرة حتى في ظِلِّ وجود الصُّعوباتِ. ويُشيرُ التفاني إلى المشاركة العالية في العمل والإحساس بالشعورِ بالأهميَّةِ والحماسِ والإلهام والفخر والتحدّي. ويوصَفُ الانغماسُ إلى حالةِ الانغماس التامِّ في العمل، مِنْ خلال عدم الإحساس بالوقت في مكان العمل، والشعورِ بعدم الرغبةِ في الانفصال عن العمل. ولذلك، يمكنُ وصْفُ الموظفين المندمجين في عملهم كأفراد على درجةٍ عاليةٍ من النشاط والمرونة في أداء وظائفهم، ولديهم القدرة على تكريس العاطفة في العمل وبمثابرةٍ، ولديهم الاستعداد لاستثمار الجهد، ويُظهرون اندماجًا عاليًا في العمل مع الإحساس بمشاعر الحماس والعاطفة والإلهام والفخر وروح التحدّي في عملهم، ويركزون بشكل تامٍّ ويعمدون إلى تكريس أنفسِهم للعمل دون ملاحظةِ أنَّ الوقت يمضي (Bakker and Demerouti, 2008).
          في هذه الدراسة، تمَّ استخدامُ المفهوم الثلاثيِّ الأبعاد للاندماج في العمل (Schaufeli et al. (2002 لسببيْن رئيسيْن؛ لأنه تمَّ التحققُ من صحتِه في عددٍ من الدراساتِ، ولأنه الأسلوبُ الأكثرُ استخدامًا لقياس الاندماج (Schaufeli and Bakker, 2010; Shuck, 2011). وهذا يجعلُ من السهل مقارنةَ نتائج الدراساتِ السابقةِ في سياقاتٍ تطبيقيَّةٍ مماثلةٍ ) Mauno et al., 2007).
وقد أثبتَت الدراساتُ أنَّ مستوياتٍ عاليةً من الاندماج في العمل، يمكن أنْ تحقَّقَ نتائجَ إيجابيَّةً مثل تعزيز الرضا الوظيفيّ (Saks, 2006)، وتحسين صحة ورفاهيَّةِ الموظفين (Schaufeli et al. 2008)، وانحفاض معدل دوران العمل (Halbesleben, 2010)، وانخفاض مُعدَّل الغياب عن العمل (Schaufeli et al., 2009)، والأداء المتميز (Rich et al., 2010)
في حين لا يوجد تعريفٌ مقبولٌ عالميًّا للثقة (Burke et al. ( 2007؛ فإنَّ الثقةَ بين الأفراد تشيرُ إلى أنها إيمانُ الفرد ورغبته في التصرف على أساس كلماتِ الآخرين وأفعالهم وقراراتهم (McAllister, 1995). وتُصنَّفُ الثقةُ إلى عنصريْن: الثقةِ العاطفيَّةِ، والثقةِ المعرفيَّةِ. ويعكِسُ المكونُ العاطفيُّ الروابطَ العاطفيَّةَ بين الأطراف التي قد تسبِّبُ للمرجع إبداءَ القلق إزاءَ الرِّعايةِ الذاتية والشعور بالإحسان. وهي عاطفيَّةٌ أكثر منها عقلانيَّةٌ وتنمو على وجهِ التحديد مع مرور الوقت (Costigan et al., 1998). ويشيرُ العنصر المعرفيُّ إلى الثقةِ التي تستندُ إلى الإدراك ذي الصلة بالأداء، مثل الكفاءة والمسؤوليَّة والاعتماديَّة (McAllister, 1995). في هذه الدراسة، سوف نعتمِدُ تعريفَ (McAllister (1995 للثقة؛ لأنه يُجسِّدُ كلًّا من الجوانبِ العاطفيَّةِ والمعرفيَّةِ لمفهوم الثقة.
عندما يثق الموظفون في قادتهم؛ فإنهم يفترضونَ أيضًا أنَّ قادتهم مُنصِفون في سلوكهم وقراراتهم. وعندما يدرك الموظفون أنَّ القادةَ عادلون في توزيع المكآفاتِ وتقدير جهودهم، فإنَّ ثقتهم في القادة سوف تزداد. ويذكُرُ (Albrecht (2010 أنَّ الموظفين سوف يندمجون في عملِهم عندما يشعرون أنَّ الإجراءاتِ والنظُمَ في المنظَّمة جديرةٌ بالثقةِ ويمكنُ التنبؤ بها.
ونظرًا لأهميَّة الثقةِ في القائد؛ فقد بذلَ الباحثون والممارسون على حدِّ السَّواء جهدًا كبيرًا في دراسة آثار الثقة في القائد على نتائجِ العمل مثل: الفعاليَّة التنظيميَّة (Laschinger et al., 2000)، والإنتاجيَّة (Musacco, 2000) ، وسلوك المواطنة Settoon and Mossholder, 2002))، والرضا الوظيفيِّ (Lee and Teo, 2005). وبالإضافة إلى ذلك، تمَّ ربْطُ الثقةِ بالقائد بنتائج الفريق (Jones and George, 1998)، ومستوياتِ الأداء (Dirks, 2000)، والابتكار (Shockley-Zalabak et al., 1999).
وقد بيَّنَت الأدلةُ التجريبيَّة أيضًا أنَّ الثِّقةَ العاطفيَّةَ والمعرفيَّةَ لها آثارٌ مُهمَّةٌ على الموظفين. على سبيل المثال: أظهرَت دراسة ( Dirks and Ferrin (2002التحليليَّةُ الطوليَّةُ أنَّ الثقةَ المعرفيَّة عززَت الأداءَ الوظيفيَّ، والإيثار، والرضا الوظيفيَّ، والالتزام التنظيميَّ، أمَّا الثقةُ العاطفيَّةُ بالقائد فقد وُجِدَ أنها ذاتُ صلةٍ بأداء العملِ، وسلوك المواطَنة التنظيميَّةِ، والالتزام التنظيميِّ.
ويمكنُ تفسيرُ العلاقة بين الثقة في القائد والاندماج في العمل من خلال نظريَّةِ التبادل الاجتماعيِّ (Blau, 1964). وتعتمِدُ نظريَّة التبادل الاجتماعيِّ على الاعتقاد بأنَّ السياق الاجتماعيَّ للمنظَّمة- بما في ذلك الثقة من قِبَل أعضائها- يُشكِّلُ العلاقةَ القائمةَ بين المنظَّمة والموظَّفين. وقد أكَّدَ (Macey and Schneider (2008 أنَّ الموظفين المندمجين في العمل يستثمرونَ وقتَهم وطاقتَهم ومواردَهم الشخصيَّةَ، ويتوقَّعونَ أنْ تعترفَ المنظمةُ بمساهمتهم وتكافئهم وفقًا لذلك. وهكذا، عندما يشعُرُ الموظفون بأنَّ المنظمة سوف تعوِّضُهم بشكل كافٍ عن جهودهم، فمِن المرجَّحِ أنْ يتقيَّدوا بموجب قواعد التبادل الاجتماعيِّ من خلال إظهار مستوياتٍ عليا من الاندماج في العمل ((Saks, 2006. وبالمثل، فإنَّ علاقاتِ الثقة بين أعضاء الفريق تشجعهم على الانخراط في سلوكياتِ مخاطَرةٍ مثل: التعاون، والمشاركة في المعلوماتِ، ومساندة الزملاء المحتاجين لأنهم يشعرونَ بالثقة بأنَّ عملهم الصالح سوف يُكافأ بالمثل في القريب العاجل. في حين تمَّ استكشافُ العلاقةِ بين الثقةِ التنظيميَّةِ والاندماج في عددٍ من الدراساتِ التطبيقيَّةِ (e.g. Agarwal, 2014; Ugwu et al.,2014)، إلَّا أنَّ عددًا قليلًا من الدراساتِ قد حلَّلَت العلاقةَ بين الثقة في القائد والاندماج في العمل (e.g. Rees et al., 2013; Chughtai and Buckley, 2013). وأظهرَت هذه الدراساتُ أنَّ الثقة في القائد ارتبطَت بمستوياتٍ أعلى من الاندماج في العمل.