التخطيط نحو سياحة داخلية مستدامة...!

التخطيط نحو سياحة داخلية مستدامة...!

عاد موظفو القطاع العام إلى أعمالهم هذا الأسبوع بعد أن أمضوا إجازتهم السنوية متنقلين في ربوع مناطق ومدن المملكة العربية السعودية. جل السياح قضوا موسمهم داخل الوطن، وبشكل خاص مناطق جنوب المملكة؛ لكونها تتمتع بأجواء معتدلة نسبيا وبيئة طبيعية فريدة.

وإلى جانب ذلك، فقد تميزت هذه المناطق بالعديد من المواقع التراثية ذات القيم الثقافية التي تعكس هوية مجتمعات عاشت بها لقرون مضت.

لقد ابتهج العديد من المدن والمناطق السياحية في بلادنا بالزوار الذين توافدوا إليها زرافات ووحدانا. ليس لهم خيار آخر سوى السياحة الداخلية! التي أضحت بهية.. منتعشة.. لا ينافسها اليوم إلا نفسها! تساءلت حينها كيف سيكون حال هذه السياحة في المواسم القادمة؟ وكيف لها مواجهة المنافسة في سوق السياحة الدولية؟

إن قطاع السياحة والتراث الوطني أحد أهم القطاعات الواعدة، التي وضعتها الرؤية الوطنية 2030 في مقدمة القطاعات الداعمة لمصادر الدخل الاقتصادي غير النفطي. وغني عن البيان، فلا يقتصر دور التنمية السياحية المستدامة في تحقيق المكاسب الاقتصادية فحسب، بل الحفاظ على الموارد البيئية، وإبراز الهوية الوطنية، والبعد الثقافي والحضاري للمملكة العربية السعودية.

إن التخطيط للسياحة الداخلية يبدأ بفهمنا لعناصر ومكونات الجذب السياحي، والتي تتمثل عادة بالبيئة الطبيعية، والمقومات المادية كالتراث العمراني، والمقومات الإنسانية المتعلقة بثقافة المجتمع وعاداته وتقاليده. وعلى الرغم من توفر جميع عناصر الجذب السياحي في بلادنا، إلا أن تحقيق التنمية السياحية بمفهومها الشامل يشكل تحديا كبيرا أمام الجهات المسؤولة.

في الحقيقة، يركز معظم المشاريع السياحية على البعد المادي لمواقع الجذب السياحية، دون وجود إطار عام أو استراتيجية شمولية تحدد العلاقة بين هذه المواقع ووظيفتها ضمن السياق الحضري ببعديه المحلي والإقليمي. فعلى سبيل المثال تجد بعض مشاريع التأهيل العمراني لمواقع التراث العمراني وقد ركزت على صيانة البيئة المادية دون إبراز القيم الاجتماعية والثقافية، وتحليل أثرها على اقتصاد المدينة والسكان.

كما يتم تطوير العديد من المواقع السياحية كالمتنزهات الطبيعية دون أن تكون مرتبطة ببنية سياحية تتكامل مع هذه المواقع، لذلك أصبح المردود الاقتصادي من المشاريع السياحية ينحصر في مواسم الذروة، وهو ما يؤدي إلى رفع قيمه المنتج السياحي لأسعار عالية جدا لتعويض العجز في الطلب في بقية مواسم السنة.

مقصد القول أن التخطيط لصناعة السياحة الداخلية المستدامة لا يعني تطوير عناصر الجذب السياحي بمعزل عن تطوير النقل بأنواعه، وأماكن النوم، والمرافق، والخدمات المساندة التي تتماشى مع كافة شرائح المجتمع وضمن حدود القدرة الاقتصادية للأسر.

إن تطوير مثل هذه المواقع يفترض أن يربط بدراسات جدوى اقتصادية تعكس حجم المردود الاقتصادي الذي يستفيد منه المجتمع المحلي، والفرص الوظيفية المكتسبة، ودعم التنافسية، والاستثمارات التي يمكن جذبها. إن الاتجاه نحو تطوير المظهر المادي الملموس يفقد المجتمع المحلي روح التفاعل مع البيئة، فلا جدوى من تطوير مواقع لا يؤمن المجتمع بأهميتها! إن المفهوم الشامل للتنمية السياحية يجب أن يتماشى مع دعم المجتمع المحلي ومشاركته، وتوفير العوائد الاقتصادية، وبشكل يحافظ على البيئة ولا يستنزف الموارد الطبيعية. بمعنى آخر، يجب ألا يقتصر دور التنمية السياحية على تأهيل، أو تطوير، أو صيانة المواقع السياحية في نطاقها الضيق فحسب، بل يمتد ليشمل رؤية شمولية تنهض بالمنطقة، وتعنى بالاستغلال الأمثل لمواردها الطبيعية والمادية والبشرية لتحقيق المردود الاقتصادي الذي ينعكس إيجابا على المجتمع المحلي والمنطقة ككل.

https://makkahnewspaper.com/article/1517436

ملف مرفق: 
المرفقالحجم
PDF icon نص المقال في الصحيفة0 بايت