التحولات الاقتصادية في المدن وخطر التهميش الاجتماعي!

مفهوم التحضر من المفاهيم المعقدة في مجال التخطيط العمراني وعلم الاجتماع الحضري، ومصطلح التحضر Urbanization غالبا ما يشمل التمركز المكاني للسكان، وثقافة المجتمعات داخل نطاق المدينة، ويشير هذا المفهوم إلى مدى الاستفادة من القدرة التراكمية للإنسان وتسخيرها للتنمية العمرانية، وبالتالي، فإن النمط الحضري يعتمد على مبدأ تبادل الخبرات أو المنافع بين الأفراد في إطار المجتمع المُعقد (المدينة). ويُعبر مجتمع المدينة عن النموذج الديناميكي القابل للتطور باستمرار بخلاف النموذج الريفي.

لقد ازدادت وتيرة التحضر في العالم نتيجة الرغبة بتكوين مراكز حضرية جديدة تستجيب لمتطلبات الثورة الصناعية. عملت هذه المراكز على محاولة استيعاب المهاجرين الجدد من الريف وإدخالهم في الوظائف الصناعية، وبناء مدن العمال لدمجهم ضمن إطار الحياة المدنية. لقد ساهمت الحياة الحضرية في تفكيك البنية الاجتماعية ودرجة التجانس الاجتماعي الذي كانت تتسم بها المجتمعات الريفية المهاجرة للمدن، حيث أصبح المهاجرون يتشاركون في العمل والرغبة في تطوير المستوى المعيشي.
وفي المجمل، يعد التحضر وسيلة للارتقاء والازدهار الاقتصادي للمدن، إلا أنه غالبا ما يكون مصحوبا بعديد من الإشكالات التي تأتي نتيجة عدم قدرة المدينة على الاستغلال الأمثل للموارد البشرية وتوظيفها بما يحقق المصلحة العامة.

تتزايد الإشكالات الحضرية في المدن الكبرى مثل: الجريمة، والفقر، وأزمات الإسكان. وتنشأ هذه المشاكل الحضرية نتيجة الافتقار إلى التنظيم الهرمي للمدن على المستوى الإقليمي، وغياب فعالية الخطط العمرانية، حيث تتركز الوظائف، ومراكز الأعمال، والصناعات الحيوية في المدن الكبرى، وهذا يؤدي إلى مزيد من الاستقطاب لسكان المناطق الريفية والمدن الصغيرة.

أصبح الفقراء الحضر غير قادرين على الاستجابة لتكاليف المعيشة الباهظة في المدن الكبرى، وظهرت المناطق العشوائية كردة فعل للتهميش الاجتماعي. كما تحولت مُدن العمال إلى مناطق متدهورة عمرانيا لا تفي بمتطلبات الحياة الكريمة.

هذه المدن تهدف إلى (استعباد) السكان! عفوا (استيعاب) السكان وتسخيرهم لخدمة أرباب العمل لكي يزدادوا غنى! إنها كما وصفها Friedrich Engels عام 1845 «الحرب الاجتماعية حيث الناس يعتبرون بعضهم البعض فقط كأشياء مفيدة؛ يستغل كل منهم الآخر، ونهاية كل ذلك هو أن الأقوياء وحدهم يدوسون على الضعفاء بالأقدام؛ وأن القلة القوية يستولون على كل شيء في المدينة لأنفسهم!».

واستشرافا للتحولات الاقتصادية في المدن أقول إن الاتجاهات المستقبلية في تنمية المدن سوف تعتمد على وسائل الإنتاج التكنولوجي بديلا للصناعات التقليدية التي كانت سائدة إبان الثورة الصناعية، وسوف يؤدي هذا الإحلال إلى تدمير الوظائف التقليدية.

وعليه فإن مُخططي المدن سوف يكونون على موعد لمواجهة تحديات حضرية عام 2050 تتمثل بمدى استجابة الفئات الاجتماعية في المدن الكبرى للتحولات الاقتصادية في عصر ما بعد تكنولوجيا المعلومات.

إن انهيار الوظائف التقليدية سوف يؤدي إلى صراع اجتماعي بين فئات تستجيب بعضها للتحولات الاقتصادية لترتقي بالمدينة، في حين تبحث مجموعات أخرى عن وظائف كانت سائدة لكنها لا تتوفر في مدن المستقبل. وسوف تكون المجموعات الاجتماعية في المدينة في حالة صراع مستمر بحثا عن الارتقاء بالمستوى المعيشي أو مواجهة خطر التهميش الاجتماعي!

ملف مرفق: 
المرفقالحجم
PDF icon النص الاصلي205.14 كيلوبايت