المدينة مسرح اجتماعي أم دراما سوداوية!

المدينة مسرح اجتماعي أم دراما سوداوية!

يرى عديد من مخططي المدن وعلماء الاجتماع أن نمو الضواحي لم ينشأ نتيجة لتطور وسائل النقل الحديثة فحسب، بل نظرا لتفضيل الأغنياء الهروب من مشاكل المدن المتعددة، حيث تمكنوا من التغلب على تكلفة الانتقال من وإلى وسط المدينة. في الحقيقة، صاحب النمو السكاني والتوسع الحضري للمدن إبان الثورة الصناعية انتشار واسع للصناعات واستقطاب للقوى العاملة.

وهكذا، بُنيت مدن العمال لاستيعاب أكبر قدر من القوى العاملة، التي تعمل نهارا وتلتحف غطاء البؤس والتهميش الاجتماعي ليلا. أصبحت المدن مكانا صاخبا لكثير من الناس، خاصة الأغنياء، الذين ما فَتئوا يبحثون عن الراحة بعيدا عن هذا الصخب، تاركين خلفهم المدينة بكل إشكالاتها الحضرية، تنتشر فيها الملوثات، وأدخنة المصانع، والعشوائيات. لقد أصبح الإطار المكاني للمدينة يشجع على توليد ثقافة الطبقية الاجتماعية في ظل غياب السياسات التشريعية التي تمنع التمييز الاجتماعي. ومنذ عام 1898 انتشر عديد من الأفكار المثالية، والنماذج التخطيطية لمدن حالمة، يعيش فيها الناس سعداء أو هكذا يزعمون! انطلقت هذه النماذج ردة فعل على إفرازات الثورة الصناعية وما صحابها من إشكالات حضرية أثرت سلبا على الحياة في المدن.

لقد تبنت بعض هذه التوجهات الفكرية رؤى نابعة من قيم وثقافة المُخطط ليتعامل مع المدينة ضمن إطار جسدي بلا روح وكأنها لوحة فنية رُسمت بلا ألوان، ودون اعتبار لثقافة المجتمع! وعليه فقد اتسمت هذه النماذج بالجمود لأنها لم تراع تفاعل الجوانب المادية للمدن مع احتياجات السكان، الأمر الذي ولد صراعا بين الواقع والتوقعات المأمولة.

لقد كرست مثل هذه المفاهيم العمل الوحدوي في تخطيط المدن، أو كما يقال التخطيط من قمة الهرم إلى القاع.

غاب دور المدينة كمسرح جامع لكل أطياف المجتمع، يكفل حق الجميع بالوصول إلى الموارد بعدالة وضمن إطار المصلحة العامة، أصبح الفئات المستضعفة في المدن يعيشون في بيئات لا تتلاءم مع احتياجاتهم، صوتهم غير مسموع، إنهم يمثلون أدوارا درامية لا تليق بهم، بل هم غرباء في مدنهم!

هذه المدن كما أشارت إليها Jane Jacobs في كتاب موت وحياة المدن الأمريكية الكبرى «يمكن أن تتمتع بالقدرة على تقديم شيء ما للجميع، فقط عندما يشارك في إنشائها الجميع...».

لقد اتسمت السياسات العمرانية للمدن بالمركزية لتُجبر سكانها على العيش في إطار مادي لا يتفاعل مع النسيج الاجتماعي.

وهكذا، تأثر التوزيع الاجتماعي للسكان في المدن بقوى السوق ليميل نحو تأسيس مجتمعات عمرانية جامعة لأطياف ذات طبيعة متجانسة، فظهرت أحياء مخصصة للسود، أو لجماعات دينية، أو لأقليات عرقية يشعر سكانها بنوع من التعاضد والتكافل الاجتماعي.

اليوم، تعد التوجهات الحديثة في تخطيط المدن أكثر ديناميكية وتعقيدا بوصفها تستهدف الحلول التي تخدم القضايا الوظيفية، وعليه يفترض أن تجمع المدينة بين التكامل الوظيفي، والتصميم المادي الذي يعكس الاعتبارات الاجتماعية.

أصبح دور المخطط العمراني لا يقتصر على توليد الهياكل المادية في المدينة، بل الاتجاه نحو صناعة سياسات التوفيق بين المصالح المتضاربة. لقد أصبح عنصر المشاركة الاجتماعية فاعلا كأحد الاتجاهات الحديثة في التخطيط، وتنطلق المشاركة المجتمعية من أدوار يمارسها أفراد المجتمع في مدينتهم ضمن إطار يترجم احتياجات كل الفئات الداخلة في صناعة القرار التنموي. إنها مشاركة اجتماعية فعلية وليست مشهدا تمثيليا لدراما سوداوية!
https://makkahnewspaper.com/article/1521569
 

ملف مرفق: 
المرفقالحجم
PDF icon النص الاصلي221.42 كيلوبايت