خارطة الطريق لمعالجة العشوائيات في المملكة

شاركت بورقة بحثية مشتركة الأسبوع الماضي بعنوان «سياسات تأهيل المناطق العشوائية في مدينة عرعر» مع المهندسين فيصل العنزي وعمر العنزي، ضمن مؤتمر الإسكان العربي السادس بتونس بعنوان «سياسات واستراتيجيات تطوير المناطق العشوائية والحد من انتشارها». تناول المؤتمر على مدار يومين تشخيص الوضع الراهن للعشوائيات في العالم العربي، وتقييم البرامج المنجزة لمعالجة العشوائيات والحد من انتشارها، والتأسيس لتطوير الإطار التشريعي والمؤسساتي الملائم، وإيجاد الحلول الإسكانية البديلة.

يعاني عديد من المدن العربية من انتشار المناطق العشوائية على نطاق واسع، نتيجة عدة عوامل منها ضعف سياسات التنمية الإقليمية التي شجعت تمركز السكان في المدن الكبرى، ولم توائم بين المعروض من المساكن واحتياجات الأسر محدودة الدخل. لذلك، يحاول المجتمع معالجة هذه الأزمة بحلول ارتجالية تفتقر إلى التخطيط والتنظيم القانوني وبمعزل عن الجهات الحكومية، وهو ما يؤدي في نهاية المطاف إلى نشوء مناطق عشوائية، بلا تراخيص بناء، ولا تحقق أدنى متطلبات ومعايير التخطيط العمراني، ولا تضمن للسكان الحصول على الخدمات الأساسية والبنية التحتية.
 لقد تناولت معظم سياسات التعامل مع المناطق العشوائية منطلقات تلامس البيئة العمرانية، بعيدا عن فهم العوامل الاجتماعية والاقتصادية التي ساهمت في تشكيل هذه البيئات. واقترحت معظم هذه السياسات إزالة المناطق العشوائية لأنها تشوه المشهد الحضري العام ولا تتلاءم مع السياق الحضري الحديث. ولكنها في المقابل، لم تطرح بدائل لتمكين الأسر محدودة الدخل من الاستيطان في بيئات عمرانية تحقق لهم مصادر العيش والحياة الكريمة.

تعد المناطق العشوائية إحدى أهم القضايا التي تلامس محاور الرؤية الوطنية 2030، حيث نص الهدف الاستراتيجي رقم (2.3.2) من برنامج التحول الوطني على «تحسين المشهد الحضري في المدن السعودية» من خلال تطوير وتفعيل ضوابط التصميم العمراني وتحسين البيئة العمرانية في أواسط المدن والمناطق العشوائية.

إن سياسات التطوير الشامل للعشوائيات تستنزف الموارد الاقتصادية للدولة ولا تتماشى مع توجهات ترشيد الإنفاق الحكومي، ولا سيما في حال تطبيقها على مناطق عشوائية واسعة النطاق، وتأسيسا على ذلك، فإن خارطة الطريق لمعالجة المناطق العشوائية في المملكة العربية السعودية يجب أن تنبثق من استراتيجية شمولية تتضمن سياسات (وقائية)، تمنع توسع أو نشوء العشوائيات في المستقبل، وسياسات (علاجية) لتأهيل العشوائيات الراهنة. وتشمل السياسات الوقائية اتخاذ كافة التدابير لنشر التنمية العمرانية على المستوى الإقليمي، وتخفيف حجم الطلب المستقبلي على الإسكان في المدن الكبرى. وفي المقابل، تتبنى السياسات العلاجية تحليل خصائص المناطق العشوائية الراهنة من حيث التموضع المكاني، وحجم السكان، والمساحة، والحالة العمرانية. وتساهم هذه العوامل في تحديد التدابير العلاجية الملاءمة سواء كانت الإزالة الكاملة، أو التطوير الجزئي، أو التأهيل العمراني.

وتعد سياسات التأهيل العمراني أحد الحلول الفاعلة لمعالجة العشوائيات، ولا سيما المناطق التي لا جدوى من إزالتها، أو تلك التي تستنزف الموارد الحكومية ولا تحفز القطاع الخاص على تنميتها. إن مثل هذه السياسات تعمل على استغلال الهياكل العمرانية القائمة، وتحسينها بما يخدم استقرار السكان ويحقق الملاءمة الاقتصادية والاجتماعية لهم.

أخيرا، تركز سياسات التأهيل العمراني على منح السكان المقيمين حق الحيازة السكنية، وتطوير مخططات تهذيبية وتزويد المنطقة بالخدمات البلدية وهو ما يساهم في ارتقاء المنطقة العشوائية بشكل تدريجي ودمجها ضمن السياق الحضري للمدينة.

ملف مرفق: