الحي السكني وتنمية اقتصاديات السكان

تطرقت في مقال سابق إلى أن الحي السكني ليس مجرد وعاء لاستيعاب السكان ضمن وحدات سكنية تتخللها شوارع متعامدة واستعمالات تجارية وخدمات متناثرة. إن الحي السكني يحمل مضامين أبعد من ذلك، فهو بمثابة نظام حياة متكامل لتنمية المجتمع وأنماط معيشته. إن دور المُخطط العمراني لا يقتصر على فهم الظروف الاجتماعية والاقتصادية لتشكيل أنماط عمرانية تتلاءم مع تلك الاحتياجات، بل خلق بيئة عمرانية ترتقي بالمجتمع واقتصاديات السكان.

وفي ضوء الرؤية الوطنية 2030 أشار برنامج التحول الوطني إلى ضرورة زيادة مساهمة المنشآت الصغيرة والمتوسطة في الناتج المحلي وخلق فرص عمل تدعم اقتصاديات الأسر المنتجة. كما أشار برنامج جودة الحياة إلى هدف استراتيجي يتمثل «بتطوير نمط الحياة وخلق ظروف عيش لائقة بحياة كريمة»، ولتحقيق هذا الهدف ركز البرنامج على عدد من المستهدفات لتعزيز قابلية العيش، ومن أبرزها تنمية الفرص الاقتصادية، وزيادة مساهمة المنشآت الصغيرة والمتوسطة في الاقتصاد، وتقليص نسبة البطالة، وتمكين المرأة؛ وهو ما يعني أن الارتقاء باقتصاديات السكان في الأحياء السكنية يعد مدخلا هاما لتحقيق أهداف برنامج جودة الحياة.
من المفترض أن يبدأ تخطيط الأحياء السكنية من مراجعة وتحليل التوجهات الوطنية وأهداف استراتيجيات المدن المحلية ومحاولة تطبيقها على أرض الواقع، حيث يعمل المُخطط العمراني على تحليل الخصائص الاجتماعية والاقتصادية للسكان في المدن ويحدد الفئات المستهدفة وعدد السكان، ومتوسط الدخل الشهري ومعدلات الإنفاق. ويحاول المُخطط مواءمة تلك المعطيات مع طبيعة الأرض وخصائصها وعلاقتها بالسياق العمراني للمدينة. كما يقارن المُخطط نتائج التحليل بالمعايير والمعدلات التخطيطية لتحديد نسبة الخدمات، والفراغات العامة، وتقسيمات الأراضي، والمساحات المرغوبة بما يتسق مع إطار التشريعات العمرانية في المدينة. ويستعرض المُخطط العمراني في المراحل النهائية البدائل التخطيطية لعرضها على السكان من خلال المجالس البلدية أو المجالس المحلية لتقويم المخطط وإضافة مدخلات مستنيرة.

وبتحليل واقع الأحياء السكنية نجد أن الأنشطة الاقتصادية غالبا ما تتموضع خارج الأحياء وعلى محاور الحركة الرئيسة. ويتسبب انتشار الشريط التجاري على طول الطرق الرئيسة في اختناقات مرورية كما يشكل عائقا أمام وظيفة الطريق كموصل للحركة. وفي معظم الأحوال، تنتشر الأنشطة التجارية على الشوارع الرئيسة وبشكل فائضا عن الحاجة الفعلية لسكان الحي السكني وهو ما يساهم في زيادة تدفقات الحركة المرورية. وفي المقابل، يبقى الحي السكني مُفرغا من الأنشطة الحيوية ويعاني من ضعف الاتصالية مع المجاورات السكنية.

إن أنماط تخطيط الأحياء السكنية يمكن أن تساهم في تطوير معيشة السكان عند إدماج النشاط الاقتصادي ضمن إطار الحي السكني. ومن هذا المنطق، يمكن تجميع الأنشطة الاقتصادية ضمن مراكز طرفية بديلا لتوزيعها بشكل شريطي ومتناثر على الشوارع التجارية. هذه الأنشطة الاقتصادية يمكن أن تتضمن جمعيات تعاونية يساهم في تأسيسها مجتمع الحي ومراكز تسوق وخدمات تجارية يومية، وساحات بيع مرخصة لدعم الأسر المنتجة. وترتبط هذه المراكز الطرفية مع الحي السكني بمسارات مشاة وتزود بالساحات والمواقف الكافية لإقامة الفعاليات الموسمية لبيع منتجات الأسر وبشكل يعزز من انتماء السكان ويدعم المشاركة المجتمعية في إطار تطوير الأحياء السكنية.

https://makkahnewspaper.com/article/1532285
 

ملف مرفق: 
المرفقالحجم
PDF icon النص الاصلي258.16 كيلوبايت