دور سياسات الإسكان في معالجة الفقر الحضري

دور سياسات الإسكان في معالجة الفقر الحضري

تضع السياسات العمرانية مجموعة من الإجراءات والآليات التي تسعى لتنظيم العلاقة بين الإنسان والبيئة العمرانية وبشكل يكفل العدالة، ويحقق التوازن في التنمية الإقليمية، والاستغلال الأمثل للموارد. إن تطوير السياسات العمرانية بمعزل عن الإدراك الشمولي للقضية العمرانية بكافة أبعادها سوف يؤدي إلى حلول هشة تعالج ظواهر المشكلة، وهو ما ينعكس سلبا على المجتمع والبيئة العمرانية. لذلك، تُصاغ هذه السياسات لمعالجة المشاكل الحضرية وابتكار أفضل الطرق والوسائل الممكنة بعيدا عن الارتجالية.

في الولايات المتحدة الأمريكية طُورت العديد من البرامج ومشاريع الإسكان لاستيعاب الفقراء. لقد كان العثور على مواقع مناسبة للوحدات السكنية ذات الأسعار المعقولة التي تتماشى مع اقتصاديات السكان وتلبي احتياجاتهم أمرا صعبا.
 لذلك، تركزت بعض مشاريع الإسكان العام Public housing في أماكن بعيدة لتشكل فيما بعد جيوبا للفقر، ومركزا للفصل العنصري، وبؤرا للجريمة والمخدرات.

وتحولت هذه المشاريع السكنية إلى أحياء متهالكة ذات كثافات عالية خلفت فيما بعد ما يعرف بـ «وصمة العار» التي لازمت سكانها لعقود من الزمن.

استدرك المُخططون العواقب السلبية لمشاريع الإسكان العام من خلال تطوير برنامج HOPE VI الذي سعى إلى تحسين البيئة المعيشية لسكان المساكن العامة المنكوبة بشدة من خلال هدم أو إعادة تأهيل أو استبدال المشاريع المتقادمة ودمجها ضمن السياق الحضري للمدينة.

حاول البرنامج إحياء المواقع الفقيرة التي توجد عليها مشاريع الإسكان العام والمساهمة في تحسين الأحياء المجاورة لها وتوفير مساكن تمنع أو تقلل من تركز الأسر ذات الدخل المنخفض للغاية لبناء مجتمعات مستدامة.

وفي ضوء الخطط الإصلاحية للإسكان والتجديد العمراني تم هدم مزيد من الوحدات السكنية ذات الأسعار المعقولة للتخلص من جيوب الفقر بدلا من استبدالها، مما تسبب في نزوح الآلاف من سكان ذوي الدخل المنخفض، خاصة من مراكز المدن. كما طُلب من السكان العمل أو المشاركة في خدمة المجتمع ليظلوا مؤهلين للحصول على مساعدة الإسكان.

قُدمت الإعانات السكنية للأسر الفقيرة ولكنها في معظم الأحوال لم تكن لتكفي للحصول على مسكن ضمن إطار السوق الرسمي في المدينة. وعلاوة على ذلك، فإن عمليات الهدم ساهمت في تمزيق الشبكات الاجتماعية للأحياء الفقيرة والتي يتم اشتقاقها وتقويتها من خلال الإحساس بالمكان. في معظم الأحوال هُدمت الأحياء الفقيرة لإفساح المجال لمشاريع اقتصادية في مراكز المدن أو لإسكان الطبقات الراقية، مما ولد مزيدا من الحقد والطبقية العنصرية.

إن معالجة الفقر الحضري المُركز والمرتبط بإسكان ذوي الدخل المنخفض يجب أن يتماشى مع تحليل الفرص الاقتصادية، وأنظمة النقل في المدينة، واحتياجات المجتمع؛ فالسكان الذين يصعب إيواؤهم غالبا ما يكونون الأشد فقرا والأقل قابلية للحصول على فرص عمل والأكثر حاجة إلى سكن، وفي الوقت ذاته هم الأكثر عرضه لعمليات الإجلاء.

وفي هذا السياق كتبت Jane Jacobs في كتاب موت وحياة المدن الأمريكية الكبرى «يجب أن نعتبر سكان الأحياء الفقيرة أشخاصا قادرين على فهم مصالحهم الذاتية، وهو ما هم عليه بالتأكيد.

نحن بحاجة إلى إدراك مكامن القوة الموجودة في الأحياء الفقيرة نفسها، والتي تعمل بشكل واضح في المدن الحقيقية، وهذا بعيد كل البعد عن محاولة رعاية الناس لحياة أفضل».

ختاما، من الضروري أن ندرس جميع الجهود السابقة لمعالجة الفقر الحضري، وبناء منهج تشاركي مع المجتمع من أجل التخطيط لمستقبل أفضل.
https://makkahnewspaper.com/article/1532863