المبادئ الأخلاقية في التخطيط

المبادئ الاخلاقية في التخطيط

تشكل المبادئ الأخلاقية في التخطيط مجموعة من القيم والسلوكيات التي يلتزم بها المُخططون وصناع القرار والمجتمع، وتسعى في مجملها لتحقيق العدالة والمصلحة العامة والتكفل بالحفاظ على ثقافة وهوية المجتمع. إن المبادئ الأخلاقية تعد الوثيقة التي تحدد المعايير السلوكية للمهنة، والتي تهدف إلى توسيع الخيارات وتكافؤ الفرص لكافة فئات المجتمع، ودعم المشاركة في صناعة القرار التنموي، وتعزيز التنمية العمرانية المستدامة والتي تتمثل في الشفافية، واستقلاليه المُخطط، واحترام قواعد السلوك المهني وتجنب تضارب المصالح.

تمنحنا الأخلاق مؤشرات بـالصواب والخطأ أو الخير والشر، وتساعدنا في رسم المواقف والسلوكيات وردود الأفعال لما يجب علينا فعله من حيث الحقوق والالتزامات. فالمعايير الأخلاقية في العموم تفرض على المجتمع الامتناع عن الاعتداء والافتراء والاحتيال، كما تفرض التحلي بالفضائل كالصدق والرحمة والولاء.

وفي المجال المهني تفرض المبادئ الأخلاقية مجموعة من الآداب والقواعد السلوكية. هذه القواعد حتى وإن كانت غير مدونة، إلا أنها تحدد ما يجب علينا فعله وما يجب علينا عدم فعله، من منطلقات متعارف عليها في المهنة. إن الإطار الأخلاقي يعد المسار الذي يضبط سلوكيات التعامل مع الآخرين ويخضع لمتغيرات ثقافية، وقانونية، ودينية، واجتماعية. إنه يختلف من مجتمع إلى آخر ومن بلد إلى آخر تبعا لتلك المتغيرات. وعليه فإنه من غير المنطقي تطبيق السلوكيات أو المواقف نفسها التي قد تكون ناجحة أخلاقيا في مكان ما، ولكن ليست بالضرورة أن تكون ناجحة في مكان أو زمان آخر. وهكذا فالإطار الأخلاقي يختلف تبعا للظروف المكانية والزمانية.

إن أخلاقيات اتخاذ القرار في التخطيط تخضع لمجموعة من العوامل التي يمكن ترجمتها وفق نظريات أخلاقية، فالنظرية القيمية Normative ترسم نموذجا محددا للمجتمع في بناء المؤشر الأخلاقي الذي يخضع لقيم الشخص ومعتقداته الذاتية نحو الصواب والخطأ، وهي بالتالي لا تدعم فكر المشاركة والتفاوض، فالبديل الأمثل هو كما يراه متخذ القرار وفق قناعاته. وفي الجانب الآخر، تركز النظرية النفعية Utilitarianism على أن العمل الأخلاقي هو الذي يحقق أفضل نتيجة وأكبر قدر من المنفعة لمعظم الناس، وعليه يُختار البديل المفضل وفقا لحجم المنفعة المتحققة. هذه المنفعة قد تدعم الغالبية المهيمنة أو أصحاب النفوذ في حين تُستبعد الفئات المستضعفة أو المحرومة. بينا تركز الواقعية الأخلاقية Ethical realism على قياس العواقب واختيار البديل الأقل ضررا، في حين تضع نظريات أخرى المجتمع أولوية لا يمكن التنازل عنها بغض النظر عن حجم المنفعة أو العوائد المكتسبة. بمعنى آخر، فإن تحقيق العوائد الاقتصادية يجب ألا يكون على حساب الصحة العامة للمجتمع.

إن خدمة الصالح العام مبدأ أخلاقي يهدف إلى تحقيق الاحتياجات الأساسية للمجتمع، ويستند إلى قيم العدالة ويضمن تكافؤ الفرص والوصول العادل للموارد لجميع أفراد المجتمع، ويعزز المشاركة العامة والتأثير على صنع القرار، بل والحماية من الآثار السلبية لقرارات التخطيط الارتجالية، إلا أن تطبيق هذا المبدأ بالغ التعقيد لكونه يخضع لظروف متغيرة عبر الزمان والمكان، وتفسيرات متباينة للأطراف المستفيدة والمتأثرة، فالصالح اليوم قد لا يكون مناسبا غدا، كما أن المناسب في مكان ما قد لا يكون مناسبا في مكان آخر.

ملخص القول، إن المبادئ الأخلاقية في التخطيط يفترض أن تعكس التأثير الإيجابي المتوازن للقرارات العمرانية على المجتمع والبيئة والاقتصاد، دون تهميش أو استبعاد لحقوق الأجيال القادمة وبشكل ينسجم مع الظروف المكانية والزمانية.. وللحديث بقية.

https://makkahnewspaper.com/article/1533449