أواسط المدن القديمة إحياء عمراني أم هياكل محنطة؟!

وسط المدينة القديم هو قلبها النابض الذي يحمل في طياته تاريخ وثقافة مجتمعها المحلي. هذا الوسط يحكي قصة تطور المجتمع وحضارة الأجداد وقيم وأصالة العمران الذي تتوارثه الأجيال. وتأتي أهمية أواسط المدن باعتبارها تمثل المركز الإداري والثقافي والاقتصادي للمدينة. لقد أكدت رؤية المملكة 2030 على ضرورة الحفاظ على الهوية الوطنية وحماية الإرث الثقافي والتاريخ السعودي. ومن هذا المنطلق تهدف عملية إحياء أواسط المدن السعودية إلى تأهيلها مع الحفاظ على هويتها وشخصيتها العمرانية.

لقد شهدت أواسط المدن السعودية تدهورا عمرانيا خلال عقود ماضية، لا سيما بعد تمدد المدن استجابة لمتطلبات التحضر. استمرت عجلة البناء الحديث على حساب المنازل الطينية القديمة، وأزيلت العديد من الأحياء التقليدية والمعالم الثقافية وتغيرت التركيبة الاجتماعية في أواسط المدن بعد أن غادر سكانها لتحل محلهم العمالة الوافدة. تعرضت الكثير من الأحياء التقليدية للإهمال والتخريب نتيجة هجرة سكانها؛ كما غادرت العديد من الخدمات الإدارية والمصالح الحكومية والتعليمية وسط المدينة إلى مواقع جديدة في أطرافها وهو ما أسهم لاحقا في فقدان وسط المدينة لأهميته الإدارية والاقتصادية والثقافية. وينقل الأستاذ الدكتور فيصل المبارك في كتابة «التخطيط والتنمية العمرانية في المملكة العربية السعودية البداية واستمرارية المسيرة خلال عهد خادم الحرمين الشريفين» عن فيلبي قائلا في وصف التطور السريع لمدينة الرياض «إنني أراقب وأدون، خطوة بخطوة، عملية التغيير في أول الأمر، بدأت أعمال التغيير (في مركز الرياض) بالتدريج بحذر وببطء، ومع مرور الوقت، أخذت أعمال الهدم بالتسارع وبطريقة تكاد تخلو من اعتبار العواقب، حتى إن مناظر التغيير الشاملة هي أول ما تواجه الزائر. هذه الأعمال ما زالت في مراحلها الأولى، ولا يتضح متى ستنتهي، لقد أصبح البناء والمزيد من البناء والتشييد هو ديدن اليوم: وما يصاحب ذلك من هدم المنازل (الطينية) القديمة ليفسح المجال أمام بناء منشآت خرسانية بطرز تصميم معمارية غريبة» ص: 218.
 اليوم، تبقى عملية إحياء مراكز المدن السعودية التحدي الأكبر الذي يواجه إدارات المدن لكونها تتطلب إعادة تخطيط هذه المراكز بشكل يحافظ على ثقافتها وبما يتواكب مع عصر الحداثة. إنها عملية شمولية تتسم بالاستمرارية لتعمل على إعادة تكوين المناطق العمرانية والنسيج الاجتماعي تماشيا مع الارتقاء باقتصاديات الأرض. إن مشاريع إحياء مراكز المدن تتضمن تأهيل الإسكان، والبنية التاريخية وترميم أو إعادة استخدام المباني المهجورة والأسواق الشعبية ورصف الأزقة الضيقة، والاستغلال الأمثل للفراغات، وتطوير شبكات المرافق، وخطوط النقل العام وبشكل يتماشى مع برامج اجتماعية واقتصادية. ومع ذلك، تبدأ هذه العمليات بمشاريع طموحة تقوم على دوافع حماسية فردية، لكنها لا تلبث لتتوقف لاحقا نتيجة لإشكاليات تنفيذية أو تمويلية أو تشريعية. إن عدم وجود منهج واضح لإحياء أواسط المدن القديمة سوف يسهم في تحويلها إلى مناطق أشبه بالمزارات أو الهياكل العمرانية (المحنطة) لا روح لها.

إن سياسة إحياء مراكز المدن السعودية تنبثق من أسس واعتبارات تخطيطية وتصميمية تستهدف تنمية واستثمار مقوماتها الاقتصادية ضمن إطار توجهات رؤية المملكة 2030. وتأخذ هذه السياسة العمرانية في عين الاعتبار دعم تكامل وسط المدينة مع السياق الحضري وتعزيز التنافسية، والوصولية لوسط المدينة، والبعد الثقافي للمنطقة. وعلاوة على ذلك، تعمل هذه السياسة على توسيع أطر الشراكة بين القطاعين العام والخاص لتطوير الأراضي غير المستغلة وإعادة إحياء المناطق المتدهورة عمرانيا، وتحفيز مشاركة المجتمع المحلي سواء في عمليات التخطيط والتنفيذ وصولا لتقييم المنتج العمراني. كما تشتمل هذه الاعتبارات على تطوير التشريعات العمرانية للتعامل مع المباني التقليدية أو المهجورة وقوانين تمنع إزالة المباني ذات الصبغة التاريخية.

https://makkahnewspaper.com/article/1535013
 

ملف مرفق: 
المرفقالحجم
PDF icon النص الاصلي229.76 كيلوبايت