توطين البادية وبداية مسيرة التنمية

توطين البادية وبداية مسيرة التنمية

قد لا أجافي الحقيقة بالقول إن مشروع توطين البادية الذي تبناه الملك عبدالعزيز -طيب الله ثراه- واحد من أعظم المشاريع التنموية التي فتحت آفاقا مستقبلية واسعة للبلاد. هذا المشروع لم يأخذ حقه الكافي من البحث والتمحيص لا سيما من المتخصصين في مجال التخطيط العمراني وعلم الاجتماع الحضري. لقد كان مجتمع البادية قبل توحيد المملكة العربية السعودية في حالة ترحال وعدم استقرار بحثا عن الماء والمراعي فضلا عن التناحر والحروب القبلية؛ وهو الأمر الذي يستحيل معه إيجاد أي وسيلة لتحقيق التنمية.

في الحقيقة، لم يكن مشروع توطين البادية مجرد فكرة لإقناع ابن البادية بالاستقرار والتخلي عن حياة الترحال فحسب؛ بل كان سياسة استيطان شامل هدفت إلى استقرار مجتمع البادية والارتقاء بسبل معيشتهم. أسس هذا المشروع عددا من مناطق الاستيطان الصغيرة (الهجر) والتي زودت بمصادر المياه والخدمات الأساسية. وعززت هذه المناطق الاستيطانية من إيجاد قاعدة تتمتع بالأمن يمكن معها تبني عدد من برامج التحول الاجتماعي والاقتصادي والتي استهدفت في مجملها تحقيق الوحدة الوطنية والرفاه الاجتماعي. عملت هذه الهجر على تغيير نظام الحياة للأسرة البدوية نحو الاستقرار والسكن في بيوت بديلة للخيام المؤقتة وأصبح النظام المعيشي للأسر يعتمد على الإنتاج الزراعي أو التجارة. لقد كرست هذه الهجر مفهوم الانتماء للوطن وتعزيز مبدأ العمل والمنافسة بين أفراد المجتمع للصالح العام.
 وفي عام 1970 استمرت الهجر بالتوسع من خلال تنفيذ العديد من المخططات السكنية وتزامن ذلك مع إنشاء صندوق التنمية العقارية في عام 1975 والذي أسهم بدوره في توفير التمويل اللازم لبناء الوحدات السكنية. كما أكملت الدولة بناء البنى التحتية والخدمات التعليمية والدوائر الحكومية وهو ما أسهم في استقطاب العديد من أبناء البادية وانصهارهم في مجتمع حضري موحد؛ ثم ما لبثت أن تحولت العديد من هذه الهجر إلى مدن مزدهرة تعج بالنشاطات التجارية والخدمات ومراكز الأعمال. وفي هذا السياق يشير الأستاذ الدكتور فيصل المبارك في كتابه (التخطيط والتنمية العمرانية في المملكة العربية السعودية البداية واستمرارية المسيرة خلال عهد خادم الحرمين الشريفين) إلى أن برنامج توطين البادية (أسهم في نبذ حياة الترحال والانتقال إلى الحياة الحضرية، حيث انخرطوا في برامج التنمية الاقتصادية للحكومة) (ص.79). لقد اتجه منحى التحضر في المملكة العربية السعودية اتجاها تصاعديا بداية من عام 1950 حيث تشير تقديرات البنك الدولي إلى أن نسبة السكان الحضر بلغ 31% في عام 1960؛ لتصل إلى أكثر من 65% في عام 1980 ثم 76% في عام 1990. اليوم، أصبحت المملكة العربية السعودية واحدة من أسرع الدول تحضرا في العالم وبنسبة تجاوزت 85% من إجمالي السكان.

لقد كان مشروع توطين البادية إيذانا لبداية مراحل الازدهار الاقتصادي واسع النطاق؛ حيث شهدت البلاد طفرات اقتصادية متتالية جاءت لتواكب المتغيرات الاجتماعية وطبيعة كل مرحلة. ويمكن القول، إن الطفرة الاقتصادية الأولى (1975-1985) جاءت لتركز على (التنمية العمرانية)؛ حيث شهدت المدن السعودية نموا وتوسعا عمرانيا هائلا لاستيعاب مشروع التحديث الشامل Modernization. في حين ركزت الطفرة الاقتصادية الثانية (2006-2010) على (التنمية النوعية) من خلال إنشاء المدن الجامعية والطبية وتطوير برامج التعليم والابتعاث والاستثمار في المعرفة. واليوم، نحن على مشارف الطفرة الاقتصادية الثالثة التي تركز على (التنمية المستدامة) في بناء الإنسان وشخصية المكان. هذه الطفرة التنموية تسعى إلى تحويل الاقتصاد السعودي إلى قوة إنتاجية بعيدا عن القطاع النفطي وفيها تستثمر الموارد البشرية والطبيعية معا وتسخر لخدمة شعوب العالم من خلال رؤى ومبادرات طموحة تتخطى البعد المحلي؛ لتبدأ المملكة العربية السعودية دورها العالمي الرائد في التخطيط لعمران الإنسان والأوطان.
https://makkahnewspaper.com/article/1536115
 

ملف مرفق: 
المرفقالحجم
PDF icon النص الاصلي212.64 كيلوبايت