المدن والقطاع الخاص شراكة حقيقية أم مثاليات حالمة؟!

المدن والقطاع الخاص شراكة حقيقية أم مثاليات حالمة؟!

يتخذ القطاع الخاص دورا محوريا في التنمية لكونه يسهم في اكتشاف الفرص الاستثمارية في المدن، وتوفير الوظائف، وتلبية الطلب على الخدمات. لقد وضعت الرؤية الوطنية 2030 محور الشراكة في التنمية واستثمار المدن في مقدمة الأولويات، حيث يهدف برنامج التحول الوطني إلى تطوير البنى التحتية، وتهيئة البيئة الممكنة للقطاع العام والخاص وغير الربحي. كما يسعى برنامج التخصيص إلى تطوير استراتيجيات تخصيص قطاعية، تشمل قطاعات النقل والصحة والتعليم، وهو ما يسهم في تركيز الجهود الحكومية على الأدوار التشريعية والتنظيمية.

في الواقع، إن التحدي الذي يواجه إدارات المدن الكبرى يتمثل في تباين الرؤى بين القطاعين العام والخاص، إذ يسعى القطاع العام كقطاع خدمي لتطوير التشريعات التي تكفل تحقيق مناخ استثماري تنموي مستدام، يضمن المصلحة العامة، والتوازن في توزيع الموارد، وتكافؤ الفرص للجميع، ويبقى التحدي في التنفيذ الناجح! وبعيدا عن المثاليات الحالمة يبحث القطاع الخاص عن تعظيم الأرباح أولا، وثانيا لتنمية ومضاعفة تلك الأرباح، وثالثا لاستدامة هذه الأرباح؛ لذلك يستهدف القطاع الخاص خدمة بعض أفراد المجتمع الذين 
ووفقا لهذا المنظور، لا يمكن للقطاع الخاص تلبية احتياجات الفئات الفقيرة، أو المحرومة؛ فهو ليس جهة خيرية أو مؤسسة اجتماعية تدفع بلا مقابل. وعلاوة على ذلك، لازال القطاع الخاص (التقليدي) ينظر إلى المدينة بوصفها مساحة استثمارية مجانية!

وفي هذا الإطار يشير الأمير الدكتور عبدالعزيز بن عياف في كتابه (الإدارة المحلية والقطاع البلدي التحديات والفرص الضائعة) إلى أن «المعضلة على جانبين: التأهل، ووجود آليات شراكة حقيقية تحقق حاجات متباينة للطرفين، فعدم قدرة أو جاهزية القطاع العام وفقدانه للخبرة المطلوبة لإدارة أعمال تحتاج إلى روح المشروع الخاص ودافعيته نحو تعظيم الرأسمال ومراكمة القيمة، يقابلها في الجهة الأخرى عدم تفهم القطاع الخاص للأبعاد الاجتماعية والمحددات التنموية التي تحكم السياسات البلدية» (ص.155).

وأنا أضيف أن السياسات العمرانية تلعب دورا في تحقيق التوازن بين مصلحة القطاعين العام والخاص من خلال فرض محفزات ومعايير وضوابط التنمية التي يلتزم بها الجميع ضمن إطار حوكمة تشاركية تتوافق مع مرحلة الرؤية الوطنية 2030. وعلى هذا الأساس، فإن إشراك المجتمع وجميع أصحاب المصلحة ضروري في مراحل تطوير السياسات لضمان عدم تضارب المصالح وتوحيد الرؤى بين المستفيدين، وهي من مسلمات الاستدامة. تشتمل السياسات العمرانية عددا من الأدوات والوسائل التي تضمن تحقيق الأهداف وتعالج إشكالية التنفيذ على أرض الواقع. ويمكن أن تتسم هذه السياسات بالصرامة كفرض الضرائب والرسوم على السلع والخدمات. وفي الجانب الآخر، يمكن أن تحفز هذه السياسات القطاع الخاص من خلال قروض التمويل، أو المنح التحفيزية. كما يمكن أن تتضمن السياسات لوائح ومعايير تنظيمية لإدارة وتشغيل المرافق العامة.

على أي حال، هذه السياسات يجب أن تصاغ بعيدا عن الوعود والأماني، وترتبط بإطار محدد؛ فعندما تنوي الجهات البلدية معالجة الازدحام المروري في المناطق التجارية فلا يكون ذلك بالطلب من التجار بتوفير مواقف؛ بل توضع مجموعة من الاشتراطات التي تفرض تخصيص مساحات كافية كمواقف للسيارات؛ وتجهيز البنى التحتية من تمويل الرسوم، وتسهيل إجراءات الترخيص، وتبني روح الشراكة من قبل الأجهزة البلدية دون سيطرة أو تعطيل. وعندما تنوي جهات الإسكان معالجة ارتفاع أسعار الأراضي السكنية فلا يكون ذلك من خلال الطلب من القطاع الخاص بتخفيض الأسعار؛ بل فرض مجموعة من التشريعات الإلزامية التي تسهم في تحرير احتكار الأراضي ومن ذلك رفع الكثافة دون إضرار على المجاورين أو تعويضهم بأساليب عادلة. عندئذ تكون الشراكة مقبولة من جميع الأطراف!

https://makkahnewspaper.com/article/1539457

 

ملف مرفق: 
المرفقالحجم
PDF icon النص الاصلي221.56 كيلوبايت