تخطيط المدن وأمراض السكر؟!

تخطيط المدن وامراض السكر

قال المعماري الشهير Ludwig Mies van der Rohe في كتاب «Architecture: A Visual History»، إن المجتمعات تحصل بحسب جهدها لإصلاح نفسها على ما تستحقه من العمارة أو مظاهر التنظيم (Jonathan Glancey, 2017,p.4).

وأنا أضيف أن تخطيط المدن يؤثر على أنماط الحياة التي تنعكس بدورها على صحة الإنسان الجسدية والنفسية والروحية؛ وبالتالي الشعور بالرضا والسعادة. إن المنتج العمراني للمدينة لا يأتي اعتباطا؛ بل في سياق يرتقي بحياة الإنسان ويتماشى مع حاجته الاجتماعية وظروفه الاقتصادية.
 وتختلف أنماط حياة المجتمعات من مدينة إلى أخرى، تراهم في مدينة ما في أوروبا مثلا يستخدمون الدراجات كوسيلة نقل، وفي مدينة أخرى يستخدمون الحافلات؛ في حين تشجع بعض المدن على المشي.

لقد تشكلت هذه الاستخدامات المتنوعة للنقل من الخيارات التي وفرتها المدينة؛ إذ لا يمكن تأنيب المجتمع لعدم استخدام الدراجة الهوائية أو المشي في مدينة كرست طرقها لخدمة المركبات كوسيلة نقل أحادية.

ولا تقتصر الأنماط المادية في المدن على بدائل النقل؛ بل تتسع لتشمل مكونات المدينة كافة، كأنماط الإسكان والمرافق العامة والمدارس وغيرها من الخدمات التي تتنوع لاستيعاب شرائح المجتمع المختلفة.

إن تخطيط المدن يترجم فهمنا لواقعنا واحتياجاتنا وطموحاتنا المستقبلية في ظل الإمكانات والموارد المتاحة؛ فمكونات المدينة والبنية التحتية كلها تتسق كما ونوعا مع اقتصاديات السكان، وترتقي بحياة الإنسان.

وهكذا فإن دور المخطط العمراني لا يقتصر على فهم الواقع العمراني؛ بل الارتقاء بأنماط معيشة المجتمع ليكون قادرا على الاستقرار والإنتاج والعيش بصحة وسعادة لأطول فترة ممكنة.

إن ما داعاني لتناول ذلك هو ما توصلت له من مقارنة سريعة للبيانات الإحصائية لبعض الأمراض التي تتأثر غالبا بأنماط الحياة، كالسكر وارتفاع ضغط الدم والسمنة، حيث تشير إحصاءات البنك الدولي لعام 2019 إلى أن معدل انتشار مرض السكر في دول الخليج العربي يتراوح بين 12 - 16% للأشخاص الذين تتراوح أعمارهم بين (20 و79 عاما)، ويعد هذا المعدل مؤشرا مرتفعا يعكس الأنماط الحياتية التي فرضتها الأنساق العمرانية في مدن ظلت لفترات طويلة تعتمد على السيارة كوسيلة نقل.

وعلى مستوى العالم ترتفع معدلات مرض السكر في بعض دول الشرق الأوسط، حيث تصل إلى 17% في مصر، و22% في السودان. وفي المقابل، تنخفض هذه النسبة في بعض دول أوروبا وأفريقيا السوداء لمعدلات تصل إلى أقل من 6% وتشمل دولا مثل النرويج وإيطاليا والسويد وفرنسا وكينيا والسنغال والنيجر.

كما أنها تقل في بعض الدول العربية، مثل اليمن والمغرب لتسجل نسبا تتراوح بين 5 - 7%.

وتوصي منظمة الصحة العالمية (WHO) أن يكون الحد الأدنى للنشاط البدني في الأسبوع هو 150 دقيقة للبالغين الذين تبلغ أعمارهم (18 عاما) فأكثر.

وتشير نتائج المسح الإحصائي للهيئة العامة للإحصاء، إلى أن نسبة الأفراد الممارسين للنشاط البدني في السعودية لمدة 150 دقيقة فأكثر في الأسبوع بلغت 17.40% من إجمالي عدد السكان، في حين تصل هذه النسبة في فنلندا 54.1%، والدنمارك 53.4% والسويد 53.1%، والنمسا 49.8%.

والحق فإن انتشار معدل الإصابة بمرض السكر يخضع لمتغيرات كثيرة، منها العوامل الوراثية وأنماط الغذاء والعوامل البيئية؛ ولكني أؤكد أن تكوين المدينة يلعب دورا كبيرا في أنماط الحياة التي تشجع زيادة هذه المعدلات.

وتؤكد هذه الفرضية الحاجة لتعزيز البحث العلمي في مجال «تأثير تكوين المدينة المادي على الصحة العامة للإنسان»، خصوصا أن الاستثمار في البحث العلمي لا يشكل شيئا مقابل تكلفة علاج مرضى السكر وسلبياته على الاقتصاد الوطني وإنتاجية المواطن.

وهذا بالضبط ما قصده Ludwig Mies van der Rohe عندما قال إن المجتمعات تستحق ومسؤولة عما تنتجه من عمارة أو عمران أو تنظيم حضاري.

https://makkahnewspaper.com/article/1541523 

ملف مرفق: 
المرفقالحجم
PDF icon النص الاصلي257.67 كيلوبايت