نُرْشِد ليرسُخ تُرَاثَنا

هذا هو عنوان برنامج توعوي لسلسة محاضرات يعقدها قسم إدارة موارد التراث والإرشاد السياحي بكلية السياحة والآثار، بالتعاون مع كرسي التراث الحضاري، التي بدأها العام الماضي بعدد من المحاضرات، كانت المحاضرة الأولى عن تقنيات البناء بمادة الطين في منطقة نجد، ألقاها الدكتور جمال عليان، فيما تحدث الأستاذ محمد الكناني في المحاضرة الثانية عن أعمال ترميم حي طريف التاريخي بالدرعية، وفي المحاضرة الثالثة تحدث الدكتور علي العراقي عن التوظيف الاقتصادي للتراث الثقافي.

وكانت المحاضرة الرابعة بعنوان «التراث الثقافي والسياحة بين مخاطر الهدر ورهانات التنمية» ألقاها الدكتور ياسر الهياجي، أما باكورة محاضرات القسم لهذا العام فكانت الأسبوع الماضي بعنوان «مناهج العمل الميداني في توثيق وتسجيل التراث» ألقاها الدكتور يوسف مدني.

لا شك أن هذه المحاضرات وغيرها من الفعاليات والبرامج التثقيفية والإعلامية مهمة في بناء الوعي المجتمعي؛ لما من شأنه تعميق الاعتزاز بالهوية الوطنية، وتجسير العلاقة بين الماضي والحاضر، وهو الدور الذي ينبغي أن تضطلع به جميع المؤسسات الوطنية وخاصة التعليمية، سواء في المرحلة الجامعية أو ما قبلها، والسعي الحثيث لتعريف الطلبة، وربطهم بتراثهم في كافة جوانبه.

ولتأكيد ضرورة نشر الوعي بالتراث، والعلاقة العضوية بين التراث والهوية، وإيمان الفرد بذاته، قرأتُ خبراً في تاريخ الدانمارك، وكيف استطاعت أن تؤثر في الوعي الجمعي على يد الفيلسوف والمؤرخ ورجل السياسة «نيكولاي غروندفيغ» 1783-1872م.

فالدنمارك قد عانت كثيرًا من الحروب الدينية، ثم حربها مع السويد، وهو ما أفقدها قرابة ثمانين في المئة من أراضيها، وأفقر اقتصادها؛ ما جعل من الدانمارك والدانماركيين بلدًا وشعبًا منكسرين، ثم جاءت سياسات النهوض التي اعتمدت على المفكرين من ضمنهم غروندفيغ.

فإلى جانب الإصلاحات الاقتصادية والسياسية والدستورية، عمل غروندفيغ على إدخال تعليم التراث في المدارس وفي معاهد تثقيف الكبار التي أنشأها، وركّز فيه على غنى التراث الدانماركي المتنوع، والضارب في التاريخ، واستطاع إعادة بناء ثقة الدانماركيين بأنفسهم، من خلال اكتشافهم لغنى تراثهم، وللقيم الأساسية التي امتلكها الدانماركيون عبر التاريخ.

هذه الثقة سرعان ما تبينت نتائجها اقتصاديًا وتنمويًا، فاستعاد الشعب المنكسِر ثقته بنفسه، وأصبح شعبًا فعّالًا منتِّجًا، وازدهر في جميع المجالات الاقتصادية والسياسة والعلمية، وارتفعت مستويات معيشتهم؛ ما جعل من الدانماركيين اليوم الشعب الأكثر سعادة في العالم، بحسب دراسة مؤشر السعادة العالمي لعام 2016.

تأسيساً على ما سبق، وبالاستناد إلى حقيقة أن المسألة التراثية لم تعُد شيئاً من الترف أو الإنفاق غير المجدي، بل أصبحت هاجساً للعلاقة الجدلية بين هذا التراث والهوية من ناحية، والتراث والتنمية من ناحية أخرى، فحريٌ بجميع المؤسسات نشر الوعي ليكون التراث واقعاً وهوية وانتماء، وهو جهد يُذكر ويُشكر لقسم إدارة موارد التراث الذي يبذل جهوداً كبيرة في سبيل تعميق الوعي، والحفاظ على التراث بكل جوانبه، المعبرة عن أصالة هذا الشعب، بنظرة مستقبلية، وبتوازن يستوعب الحديث دون الإخلال بالأصيل، ويحفظ لهذا البلد تماسكه وهويته وأصالته، ودمتم طيبين.

د. ياسر هاشم الهياجي