التراث غير المادي ركيزة التنوع الثقافي

تحدثتُ في مقال سابق عن دور اليونسكو في حماية التراث العالمي، وركزت فيه على الدور الذي تضطلع به المنظمة لحماية التراث الثقافي المادي من خلال اتفاقية حماية التراث العالمي الثقافي والطبيعي التي صدرت في عام 1972م، وفي هذا المقال سأتعرض لدور المنظمة في حماية الشق غير المادي للتراث الثقافي، والذي عُنيت به اتفاقية اليونسكو بشأن صون التراث الثقافي غير المادي التي صدرت في عام 2003م.

هذه الاتفاقية ترمي إلى صون التراث الثقافي اللامادي على نحو لم تعهده المجتمعات في السابق أو الحكومات أو المؤسسات المعنية، وتشكل الاتفاقية مِفصلاً وتطوراً مهماً في السياسات الدولية الهادفة إلى تعزيز التنوع الثقافي، بما يضمن تحقيق التنمية المستدامة للتراث، وتعزيزه والتوعية بأهميته، ودعم ممارسيه، ورصد التهديدات التي تحول دون استدامته، والترويج له محلياً ودولياً.

لا شك أن التراث الثقافي غير المادي، رغم عامل الهشاشة، يُمثِّل ركيزة مهمة في الحفاظ على التنوع الثقافي في عصر العولمة، ولهذا أصبح واحداً من أولويات اليونسكو والمنظمات المعنية كونه مجالاً قابلاً للاندثار، وهو يشمل على سبيل المثال لا الحصر المهرجانات التقليدية، والعادات والتقاليد، والملاحم، وأساليب المعيشة، والمعارف والمهارات والحرف التقليدية، والأغاني، والرقصات، والحكايات، والفنون الروائية، والأكلات الشعبية، والطقوس الاجتماعية، وغيرها من الممارسات والتعبيرات الثقافية للجماعات المحلية.

أتاحت الاتفاقية المجال للدول الأطراف لترشيح عناصر تراثها الثقافي غير المادي لإدراجها في إحدى قائمتين رئيسيتين، القائمة التمثيلية، وقائمة الصون العاجل، ففي حين تهدف القائمة التمثيلية إلى إبراز التراث الثقافي اللامادي والتوعية بأهميته، تهدفُ قائمة الصون العاجل إلى تعزيز تدابير صون العناصر المهددة بخطر الزوال.

بمعنى أن العناصر المراد إدراجها على القائمة التمثيلية تكون سليمة ومستدامة، بينما تُدرج على قائمة الصون العاجل العناصر التي تواجه تهديدات ومخاطر تطال استدامتها، وهي تتيح استفادة الدول المعنية من التعاون الدولي في مجال الصون، ومواجهة التهديدات التي تتعرض لها العناصر المدرجة، مع إعطاء الأولوية للطلبات الواردة من الدول النامية.

كما خصصت الاتفاقية قائمة ثالثة لأفضل ممارسات الصون، يتم من خلالها نشر البرامج والمشاريع والأنشطة التي هدفت إلى صون التراث الثقافي غير المادي في الدول الأطراف.

بلغ مجموع العناصر التراثية غير المادية التي تم تسجيلها رسمياً من قبل اليونسكو حتى نوفمبر الماضي 2018م ما يقارب «470» عنصراً ثقافياً، «399 في القائمة التمثيلية، و52 في قائمة الصون العاجل، و19 عنصراً في قائمة ممارسات الصون الجيدة»، وهي آتية من 117 من الدول الأطراف في الاتفاقية، من بينها «35» عنصراً عربياً تتوزع في 14 بلداً عربياً، فيما لم تُسجل ثمان دول عربية أي عنصر من تراثها الثقافي غير المادي! 

في المملكة العربية السعودية اشتملت قائمة التراث الثقافي اللامادي على ستة عناصر ثقافية: هواية الصقارة 2012م، والمجلس كمكان ثقافي واجتماعي 2015، والقهوة العربية كرمز للكرم 2015، والعرضة النجدية 2015، ورقصة المزمار 2016، والقط العسيري 2017 الذي يُعدُّ فناً من فنون النقش والزخرفة في منطقة عسير، والذي برعت فيه النساء لتزيين الجدران باستخدام عدد من الألوان.

د. ياسر هاشم الهياجي