عام الخط العربي وتعزيز ممارساته

احتفاءً بالخط العربي وتقديراً لما يمثله من أهمية في الثقافة العربية، وما يمتلكه من تفاصيل جمالية وأشكالٍ هندسية وتاريخٍ عريق، أعلنت وزارة الثقافة ضمن جهودها الدؤوبة لإبراز الثقافة العربية تسمية عام 2020 بعام الخط العربي، تهدف من خلاله إلى تقديم فعاليات نوعية تخدم الخط العربي وتعزز من حضوره في المجتمع.

لا شك أن الخط العربي واحد من مظاهر الحضارة العربية، ويتجاوز بتنوع أشكاله ومجالات استعماله، الحاجات الثقافية ويسمو على وظيفة الكتابة والتعبير عن مخزون اللغة العربية ونقل المعرفة والثقافة وكل مجالات التطور إلى الآفاق الفنية؛ ليصبح من أبرز الفنون الزخرفية، من خلال تقديم الأشياء والمكان عبر حلة أساسية تسعى إلى استنطاق الأدوات والجدران في نسق بديع وتناسب دقيق وعبر أشكال فنية إبداعية غاية في الجمال والرونق الهندسي، تجمع بين الرقة والغلظة، والانحناء والامتداد، والتناظر والتماثل، والغموض والوضوح، كقطعة موسيقية أو لوحة تشكيلية أو قصيدة رائعة.

وغير خافٍ، أن انتشار الخط العربي قد ارتبط باتساع رقعة الحضارة الإسلامية منذ صيرورتها الأولى وحتى اليوم، إذ ساهمت البيئات الثقافية التي كُتب فيها والسياقات البيئية والاجتماعية والسياسية التي وُجِد فيها؛ على إثرائه وتطويره، فاستُخدم في كتابة المصاحف القرآنية والكتب العتيقة والوثائق الرسمية للدولة الإسلامية، وعلى النقود والقطع المعدنية والأواني الخزفية واللوحات الفنية وعلى المساجد والمباني والقصور ومختلف أشكال العمارة الاسلامية.

كما ارتبط تطور الخط العربي بتطور المواد التي كُتب بها، وإتقان صناعتها، حتى غدت اللوحات الخطية تزين اليوم أرقى المتاحف العالمية بوصفها من روائع الحضارة العربية، التي أسهمت في إغناء التراث الإنساني.

ومنذ فجر النهضة كانت العناية بتعليم الخط موضع اهتمام المسلمين، وعياً بأهميته الثقافية، فبعد انتشار مكاتب التعليم، أصبح معلم الكُتّاب مطالباً بتحفيظ الصبيان القرآن وتعليمهم الخط، وكان شرط تحسين الخط من الأمور المعتبرة في تقدير براعة المعلم، إذ ذكر ابن خلدون ناقلاً بعض الأخبار عن اهتمام أهل مصر بما «يحكي لنا عن مصر ... وأن بها معلمين منتصبين لتعليم الخط، يلقون على المتعلم قوانين وأحكاماً في وضع كل حرف، ويزيدون إلى ذلك المباشرة بتعليم وضعه، فتعضد لديه رتبة العلم والحس في التعليم، وتأتي ملكته على أتم الوجوه». حتى قال الشاعر:

تعلَّم قوام الخط يا ذا التأدُّب ** فـما الخط إلا زيـنة المتأدِّب ِ

فإن كنت ذا مالٍ فخطك زينةٌ ** وَإن كنت محتاجاً فأفضل مكسبِ

إن جمالية الخط العربي، وحسن هندسته، وتناسق حروفه ودوائره وزخرفته، سمة مميزة من سمات الحضارة العربية عموماً، ولغة الضاد العظيمة بشكل خاص، لا سيما بعد أن شرف الخط العربي بنسخ وكتابة أشرف كتاب، وأعظم كلمات «القرآن الكريم»، ما زاد في ذيوعه وانتشاره والاهتمام به، فبهرت به أمم وأقوام من غير العرب، الذين استهواهم ما حواه الخط العربي من إبداع وفن؛ وهو ما يؤكده مقولة الرسام العالمي الشهير بيكاسو: «إن أقصى نقطة حاولت الوصول إليها بالرسم، وجدت الخط العربي قد سبقني إليها».

في الختام، أخلص إلى أن مبادرة وزارة الثقافة فرصة لترسيخ وتثبيت جماليات الخط العربي وتعزيز حضوره في منظومة الهوية العربية؛ ليستمر في مسيرته الإبداعية والفنية والمعرفية، حاملاً في طياته بُعداً راقياً من الإبهار والجمال، ودمتم طيبين.

 

د. ياسر هاشم الهياجي

قسم إدارة موارد التراث والإرشاد السياحي